لقاء مع الفنان فريد الحمدوي، أحد الأعضاء المؤسسين لفرقة ريفانا، وقد كان لنا معه هذا الحوار الشيق الذي حاولنا من خلاله تقريب الفرقة أكثر من الجمهور الموسيقي المحترم، وفي نفس الوقت تقديم ماهو جديد بالنسبة لفرقة ريفانا، التي أصدرت ألبومها الأول بعد انتظار دام مدة 20 سنة من العمل في الظل، وكان الألبوم الأول باسم “texsegh cem “، قد أغنى الساحة الموسيقية بالريف بعمل إبداعي متميز، ونتمنى أن يكون الحوار أيضا متميزا بالنسبة لقرائنا الكرام:
• صبرت كثيرا حتى قمت بإصدار أول ألبوم، ولقي صدى جيدا، داخل الريف وخارجه، في الأوساط الفنية بشهادة فنانين موسيقيين كبار، ما السر وراء ذلك؟
لقد أسسنا الفرقة في سنة 1992، رفقة الصديق عقاد عبد الوهاب المقيم بفرنسا حاليا، وهي امتداد لعلاقة صداقة قوية جمعتنا، ولم نصدر الألبوم إلا في صيف 2012، وهي مدة طويلة، لكنها كانت موضوعية بالنسبة لنا، فريفانا هي ليست مجرد فرقة موسيقية وإنما هي بالنسبة لي أسلوب حياة، وقد تضافرت مجموعة من العوامل في هذا التأخر في إصدار الألبوم، الأول هي ظروف الحصار التي فرضت على الريف، وقد قمنا بعدة محاولات في أوائل التسعينات، إلا أننا كنا نصطدم بأشخاص لا يمتون للفن بصلة، ويحملون مشعل الفن والموسيقى بالريف، فهم العائق الأول والجدار المنيع الذي يكون عقبة في طريق أي فنان يرغب في إخراج إبداعاته للوجود، والثاني هو قصر اليد، وغياب الوسائل الضرورية لإصدار الألبوم، فكنا في تلك الفترة طلبة لانملك سوى أحلاما وأفكارا، ولا نملك قوة مادية لتحقيقها، واضطررنا إلى الانتظار..
أما سر النجاح الذي لقيه الألبوم، حسب رأيي المتواضع، هو أن أبناء الريف وجدوا أنفسهم في أغاني الألبوم بدون استثناء، وقد قمنا بإعداده من مالنا الخاص، وعمدنا إلى الاعتماد على المشاعر الصادقة والبحث على موسيقى نابعة من القلب، وتفادينا السقوط في إغراءات المنتجين الذين يبحثون عن الرقص والقفز، في إنتاج الأغاني، بل كنا صادقين، ومادمنا قد انتظرنا طويلا، فما علينا سوى أن نصدر ما انتظرنا وما حرمنا منه فيما مضى، إضافة إلى اعتمادنا على الموسيقى الريفية الخالصة في الإبداع الموسيقي، واستثمرنا بذلك تراكم تجارب وأبحاث قمنا بها من أجل تطوير الموسيقى الريفية الجادة والملتزمة، إضافة إلى كلمات تكون مقبولة في الأوساط الاجتماعية والأسر الريفية..
• هل تعتقد أن الأغنية الأمازيغية لها مكانتها في العالم؟
لقد جئنا في زمن صعب جدا، وهو زمن زحف العولمة على كل شيء، وهي تسعى ما أمكنها أن تحتوي كل ما هو محلي وأصيل، وغزت أنواع وأنماط موسيقية، بحكم سرعة انتقال المعرفة والأخبار، بفضل الأنترنت، إذن في خضم هذا سيكون على الموسيقى الأمازيغية التصدي لهذه الموجة الشرسة التي تتلقاها كل يوم، شأنها شأن الثقافة الأمازيغية بصفة عامة، ولتكون لها مكانتها في العالم، يجب عليها، وعلى من يحميها، وأقصد هنا كل الأمازيغ بدون استثناء، وكل من موقعه أن يستعد لهذه الحرب الخفية والمعلنة أيضا، وفرقة ريفانا هي من جنود الدفاع على الثقافة والموسيقى الأمازيغيتين، من خلال الغرف من هذه الثقافة العريقة والمتجذرة، ولكي تكون يجب عليك أن تكون ما أنت عليه وليس ما يريدونك أن تكون، وهنا يسقط العديد من المغنيين في لعبة التقليد والاعتماد على الموسيقى الغربية والدخيلة في الألحان والغناء بالأمازيغية، وهذا مسمار يدق في نعشنا ويشكل خطرا على الموسيقى الأمازيغية.
• إذن ماذا ينقص الأغنية الأمازيغية؟
ينقصها رجال يقتنعون بأن هذه الثقافة ليست فلكلورا ولا مكياجا نلمع بها الوجوه لجلب السياح، الأغنية الأمازيغية هي الوسيلة الأمثل للترويج لثقافة الأمازيغ، وأقصد هنا الثقافة الحقيقية من الملبس إلى عادات الأكل وأنماط التغذية، فالتنافس الآن مفتوح على عدة جبهات، ولذلك لا يجب أن نلوم المسيقيين أو الفنانين فقط، بل كل من تسري في دمائه هذه الثقافة، فعليه أن يشمر عن سواعده، حتى تكون المسؤولية متساوية بين الجميع، حتى نتمكن من تصحين ذواتنا وثقافتنا، ونضمن لها بقاء في المستقبل.
• لماذا لا نشاهد فرقة ريفانا على شاشة التلفاز وفي المهرجانات؟
نحن لدينا قناعاتنا وأفكارنا وفلسفتنا في الحياة، ولسنا ممن يعرضون أنفسهم للبيع والشراء، فرقة “ريفانا” هي فرقة كل الناس، في كل أرجاء العالم، ولا ندعي أننا نمتلك الكمال وأننا الوحيدين، ولكننا لنا طريقنا في فهم الأمور وهي فريدة، وهذا ما جعل العديد من المهتمين يعتبرون أن فرقة “ريفانا” ستكون حاملة مشعل الموسيقى بالريف، وبفعل رغبتنا وبحثنا عن الأجمل ولو بكل الأثمنة، ومن هنا فنحن لم نوصد أبوابنا في وجه أي أحد، ولا نعتمد التمييز بين هذا وذاك، ولكن نحن ضد الاستغلال والحكرة والتهميش، ونفس ما يقال عن التلفزة، يقال عن المهرجانات، فالفرقة حديثة العهد في الساحة بشكل رسمي، أقصد، رغم أننا شاركنا في العديد من المهرجانات قبل إصدار الألبوم، ولدينا مسار 20 سنة من العمل، يمحننا مكانة تبعد عنا كل من يحاول أن ينال من هذا المسار الطويل، لقد تلقينا عدة دعوات للمشاركة في بعض الأمسيات الثقافية، إلا أن ظروف العمل أو الظروف العائلية كانت تكون عائقا أمام المشاركة، ولكننا لازلنا على اتصال بهؤلاء الإخوة، وسنكون رهن إشارتهم حين تكون الظروف مواتية..
• ما دمنا نتحدث عن المسار، هل لفرقة ريفانا جديد؟
لدينا رصيد من الأغاني يسير في نفس سياق الألبوم الأول، أي الريف والثقافة الأمازيغية، لا زالت صلب الموضوع، وفي أغاني تتناول واقع الإنسان بشكل عام، في صراعه من أجل السلم والحب والهناء والحياة الكريمة، لكن في الوقت الراهن فنحن نستعد لإعداد ألبوم خاص بالأطفال، بالأمازيغية الريفية، وهو تحد سنخوضه إيمانا منا بأن هذا العمل سيكون حلقة وصل بين الأجيال، ويعطي فرصة للغة الأمازيغية بالتوسع أكثر في أوساط الأطفال حتى بين غير الناطقين بها، وستكون دعامة تربوية بالأساس في تلقين هذه اللغة والثقافة، إضافة إلى قيم أخلاقية واجتماعية وتاريخية نمررها عبر هذه الأغاني والتي نتمنى أن تنال قبول الآباء والأمهات، وعند اكتمال الفكرة بشكل أفضل سنشرع في تسجيل الألبوم إن شاء الله، ونؤسس لموسيقى الطفل بالريف، والتي يكون فيها الطفل هو المحور، منه وإليه..
• هناك عدة فرق موسيقية بالحسيمة وبالريف عامة، هل في نظرك تستحق التنويه والتشجيع؟
هناك فرق، وأتحدث هنا عن الفرق الشابة الحديثة العهد بهذا المجال، تستحق التنويه والتشجيع، تبذل مجهودا كبيرا في تطوير الموسيقى، والتواصل بشكل أفضل مع جمهورها، كما هناك فرق تتطفل على المجال، وتسعى إلى الربح السريع وتسلق سلم عال، لا يمكن تسلقه إلا عبر العمل الجاد والبحث والإبداع، والذي يعتبر ركيزة العمل الموسيقي الجاد، وفي أي مجال فني آخر، وبصفة عامة لا خوف على الموسيقى مادام هناك من يسعى إلى الدخول في هذه المنافسة الثقافية بين بني البشر، من أجل أن نكون، كما أن مسألة الأذواق لا يمكن مناقشتها، فلكل ذوقه ونظرته إلى الأشياء، “والله إعاون كل واحد”، شريطة أن يكون جادا فيما يقوم به..
• في هذا السياق، بماذا تنصح، الجيل القادم والذي يغني بالأمازيغية، أو بلغات أخرى؟
إن أول شيء يمكن القيام به في هذا المجال، هو أن تكون إنسانا، فالفنان الصادق يترك انطباعا جيدا عند المستمع، ويجب أن يكون قدوة، لأن الموسيقى ليست وسيلة للعيش والاسترزاق فقط، ولكنها وسيلة للدفاع عن النفس، كما هي وسيلة يمكن عبرها النفوذ إلى بيوت الناس، فليكن ما ندخل به إلى هذه البيوت جميلا وأصيلا، يحمل نموذج أخلاق وقيم وتاريخ يشرفنا كشعب له تاريخ عريق، وله أمجاد مهما حاول السفهاء أن يقزّموه، فهو شامخ.
ونظرا للانتشار الواسع لأنماط موسيقية عالمية، في إطار ما يسمى بالعولمة، كما سلفت الذكر، فمن الطبيعي أن تتأثر فرق محلية بهذه الموجة، وهو ليس عيبا، ولكن العيب هو أن ننقل ولا نبدع، فالأمر في رمته هو أزمة إبداع، ولهذا ندعو فنانينا إلى البحث في تاريخ موسيقاهم وموسيقى أجدادهم، فلنا في هذا الرصيد الموسيقي العريق ما يجعلهم ينجحون ويصبحون متميزين، لأن التميّز نخلقه بما نحن عليه وليس بأن نكون شيء آخر.
كلمة أخيرة:
أولا، أتقدم بالشكر الجزيل لكم، ولكل محبي فرقة ريفانا والمعجبين بها، وهم في الحقيقة من يبعثون الأمل فينا من أجل العمل والبحث عما يثلج صدورهم ويدخل الفرحة إلى قلوبهم، كما أتمنى أن تتوفر الإرادة الحقيقية من أجل تمكين مدينة الحسيمة، بمدرسة للفنون الجميلة، ومعهد موسيقي يليق بالمقام، من أجل الرفع من جودة الفن وما يتم إنتاجه، لأننا لا نحيى بالخبز والماء فقط، وإنما هناك أشياء تذكي فينا نار الحكمة والحب أكثر مما تفعله أشياء نعتبرها مهمة.
حاوره: عادل أمغار






























