لا يكاد يمر يوم دون أن تأتينا أخبار الحريك هذه الأيام.. أخبار عن الوصول إلى الضفة الأخرى، وهو ما يشجع كل متحمس للهجرة، إلى جانب أخبار مأساوية عن انتشال جثث وغرقى من طرف رجال خفر السواحل الاسبانية أو المغربية! ” الحريك ” أو الهجرة غير النظامية شأنها شأن تجارة التهريب أو تجارة الممنوعات تنشط أحيانا وتخمد حتى تكاد تنقطع، وأحيانا أخرى تعود للظهور بشكل لافت، وذلك هو ما لفت نظرنا فيما يتعلق بشأن عودة تواتر أنباء نشاط محاولات تنظيم رحلات فردية وجماعية أيضاً زادت وتيرتها مؤخرا، ونقول مؤخرا أي منذ انطلاق بداية الصيف ولم تنقطع طوال الأشهر الماضية. قد نتساءل: غريب! كيف يعقل أن يحدث هذا وأزمة كورونا تحاصر الناس هنا وهناك، فليست ظروف الهجرة والعمل هي هذه الظروف التى تمر بنا حاليا، لأنها ببساطة ظروف غير مناسبة.. لكن كل واحد، نعم كلُّ بطبيعة الحال، يفكر بطريقته الخاصة.. فهل ما نشهده من إقبال على ركوب البحر نحو الضفة الأخرى قد أملته أزمة كورونا أم أن المصائب لا تأتي إلا وهي مجتمعة! كما قيل. في الواقع أنشطة الهجرة كانت قبل كورونا ولكنها كما لوحظ زادت حدة فعلا بعدما تم تسجيل انكماش مصادر العيش بانقطاع سبل العمل، وتوقف عجلة دوران الاقتصاد، بسبب طول وتمدد الحجر الصحي الذي فرضته فترة الطوارئ بتبعاتها السيئة التي – بدورها- ولدت أزمة اقتصادية خانقة، الشيء الذي دفع ويدفع شرائح المعسرين والفقراء إلى الأقدام على الهجرة غير النظامية، رغم تشديد مراقبة نقط العبور والقيام بإحباط عدد لا يحصى من توقيفات للشباب مع مصادرة أجهزة النقل البحري والمعدات، غير أن كل ذلك لم ولن يثنيهم ولم يوقف زخم موجة الحريك الجديدة. لقد نشطت كثيراً مغامرة عبور “بحر البوران” الفاصل بين الريف وإسبانيا، الريف على امتداد شواطئه، أو من جهات الشىمال الأخرى المتاخمة للبحر وهو ما نراه اليوم كظاهرة خطيرة..فظاهرة هجرة الأفراد الذين تدفعهم روح مغامرة ركوب الموج مع ما يرافق ذلك من مخاطر وأهوال العبور إلى الضفة الأخرى! ظاهرة يعلم الجميع ما لها وما عليها، ظاهرة ليست وليدة الظروف الحالية وإنما في الحقيقة كانت في الماضي تظهر وتختفي منذ زمن بعيد، ليست إلا اختياراً صعباً، لكن أحيانا كانت حقا بمثابة مقامرة فإما “ذبحة ولا ربحة!” إنه لشيء مؤسف ما نراه يحدث اليوم أمام أعيننا، وما نسمعه من قصص عبور فاشلة أو ناجحة، حيث تكاد لا تنقطع أخبار محاولات الإقبال على الإبحار نحو المجهول باستعمال القوارب المطاطية أو دراجات جيتسكي السريعة، محاولات محفوفة بشتى المخاطر ظاهرة وخفية، يصعب تصورها، لكونها رحلات لا يقبل عليها إلا من يقاسي ما يقاسي من ظروف قلة ذات اليد وإكراهات شتى تجعله يقامر بأغلى ما يملك: حياته، التي يرمي بها إلى بحر المجهول، رحلات قد تصل وقد لا تصل نحو وجهتها بحثاً عن سبل عيش كريم.
الأستاذ: علي الأجديري






























