الكاتب: محمد الزياني
تقديم:وأنا بصدد ترتيب ما استجمعته من مذكرات وتحف فنية وشذراتادبية وفلسفية لامست شتى المجالات ، بعد أن تغاضيت عن ذلك لعقود مضت لانشغالاتي المتداخلة والمتزاحمة التي أضحت في جزء منها اليوم في عداد ما نعته عبد القادر الشاوي ب” تجربة الحلم والغبار”…وانا منهمك في ذلك وقعت عيناي على نسخة ثمينة من بحث جامعي لرفيقة وزميلة من زميلات دراستنا الجامعية بقلعة ظهر المهراز / فاس تقدمت به وقتذاك لنيل شهادة الإجازة بشعبة الآدب العربي في موضوع: ” صورة المرأة من خلال الأغنية المغربية ” تحت إشراف الدكتور : حسن المنيعي ..وفي رأس صفحة البحث الداخلية خطت صاحبته إهداء خاصا : ” إلى الرفيق محمد …تقديرا لمساعدتك الطيبة ..أهديك هذا العمل المتواضع ” تقدير ظل شاهدا على اللحمة الفنية والنضالية التي عضدت وجمعت جيلا كاملا من المهووسين بالصوت الجميل والكلمة الهادفة ، ولم تكن تلك الرفيقة سوى الفنانة الوديعة : نزيهة مفتاح ،الفتاة الشاونية ذات الصوت الفيروزي المنبثق من لحظة تماس بين خرير سواقي وشلالات هذه المدينة الموريسكية الشامخة ، وذبذبات نسيم الفجر الواعد . .والذي أضحى اليوم صوتا مدويا على امتداد جغرافية الأوطان المتباعدة : باريس ، دمشق ، الشاون مرورا بالقاهرة المصرية …وقد راقني إبداء شهادتي في حق هذه الفنانة التي أبهرت ولا تزال الدنيا بصوتها الاستثنائي الذي لم تنل منه مثبطات وطعنات الأزمنة المتلاحقة …تماما كما لم تنل من ثقتها في مسارها الفني الذي خطته بروح فنية وإبداعية ضمن منظور واعد لما ينبغي أن تضطلع به الرسالة الفنية من دور أجتماعي وسياسي وإنساني تهذيبا للذوق السليم وتبديدا لكل مزاعم الخوف والريبة من المستقبل.
- نزيهة مفتاح : من ينبوع الشاون نحو تلمس مسار العظماء في فن الغناء:
نزيهة مفتاح صوت تفتق من لحظة اندغام خرير سواقي وشلالات الشاون بشموخ جبالها الشاهقة وأشجار زيتونها الحاضنة لزقزقات السنونو المحملة على اجنحة نسيم الفجر الواعد .
هناك بقلب هذه المدينة الغرناطيةالمسيجة بأبهى حلل الطبيعة وكانها خلقت لتكون عشا آمنا تأوي إليه حمامات الشعر ورنات الصوت الجميل عبر نبضات ضميرها الحي الذي نطق شعرا مع الطبال وأحمد بنميمون ومسرحا مع كل من سمية أقريو ونعيمة ومحمد زيطان ورفيقة بنميمون وأنس العاقل و ياسين أحجام .. وأغنية مع نزيهة مفتاح وهلم جرا .. اصوات إبداعية دأبت على صيانتها كفاءات المدينة التي أحسنت رعاية هذه البراعم من صنف نزيهة التي صاغت موهبتها الأولى ضمن دفء العائلة عبر ترنيمات الأم والجدة ، كما عبر حفلات ومناسبات المقربين من أهالي الشاون الطيبين ذوي التقاليد الفنية المتنوعة فيما بين الجبلي والأندلسي ، قبل ان تقدم طفلتنا نزيهة على تطويع حبال صوتها العذب ضمن فضاء مدرستها الابتدائية ، حيث تدربت على محاكاة امهات الأغاني الشرقية الخالدة من عيار ” واحياتك يا الشيخ مسعود” للمطربة شريفة فاضل التي أدتها كتكوتتنا بإعجاب كبير ، ليتم اختيارها ممثلة لمؤسستها التعليمية في مختلف المناسبات ومسابقات الأنشطة الفنية والثقافية الموازية ، وكثيرا ما صرحت نزيهة : بان عشقها للفن الغنائي انتقل إليها بالوراثة ، حيث كانت تمتمات امها الدائمة واسعراضها لشذرات من مقاطع اغاني الذكر والورع تحجب عنها هذا الولع والعشق اللامتناهي للفن الغنائي الممتد إلى ذاكرة جدتها التي شكلت زمنها طاقة صوتية مفعمة بعذوبة الألحان الممشوقة من عصارة بيئة الشاون ومن محياها الأندلسي ، بما ادخرته هذه المدينة ، الآمنة بين جبال الريف، من كنوز الفن الغرناطي نتيجة الاحتكاك الحضاري بينها وبين شبه الجزيرة الإيبيرية التي انطلقت منها أفواج الموريسكيين الذين وجدوا في رحابة هذه الروضة الهادئة ملاذهم الأخير..
بعد أن اكتسب اسم نزيهة / الطفلة لبريقه بين المؤسسات التعليمية والتربوية بالمدينة ، عمدت إلى ولوج رحاب العمل الجمعوي كمجال لصقل موهبتها وشحذ مؤهلاتها الصوتية مع جمعيات الطفولة أولا ، قبل احتضان تجربتها من قبل جمعية ” ألوان فنية” ، هذه الأخيرة التي ذاع صيتها وقتذاك بانخراطها في أنشطة وطنية مكثفة أبرزها ” مهرجان الشعر الوطني ” مع جمعية” المعتمد بن عباد ” وغيرها من الأنشطة إلإشعاعية النوعية التي جعلت نزيهة تنظر إلى مرحلة الصبا تلك ، على انها محطتها الرئيسية ، ففيها تلقت الشحنة الفنية الأولى التي ستمكنها فيما بعد من إثبات الذات ، بحيث لم تكن لتبالي ـ وهي تستقبل إشراقات الحياة بعنفوان شبابي ملحوظ ـ بأي احتراف للغناء بقدرانشغالها بالدراسة والتحصيل ، مع تخصيص أوقات لاختبار موهبتها وقدراتها الفنية مع رفاق وزملاء لها في جمعية ” ألوان” التي لمع فيها نجم نزيهة إلى حد جعل باقي أعضائها يلحون على أهمية امتطائها لبساط الأغنية الملتزمة التي كان يمثلها أنذاك مرسيل خليفة والشيخ إمام نجم وآخرون .. (الجزء الأول)
ففي تنامي هذه الدينامية الثقافية والجمعويةبالشاون / القلعة الزرقاء ، راحت نزيهة تقتفي آثارأشهر الأسماء في عالم الفن الغنائي المغاربي والعربي المنحاز للمقهورين ولمعذبي الأرض ..فاندفعت مبكرا ، باتجاه التماهي مع موشحات الرحابنة مع فيروز التي استلهمت منها نزيهة عبقرية المزج بين القيمة الفنية والإبداعية ونبل المواقف المنحازة للشعوب المضطهدة وللضمير الإنساني الحي . أولم تكشف فيروز سر تواريها عن الأنظار عقب المجزرة البشعة : صبرا وشاتيلا التي ارتكبها الصهاينة جنوب لبنان سنة 1982 قائلة : ” كيف أغني وأنا جريحة كبلدي، ..وهل يستطيع المرء أن يمنح للآخرين البهجة حين لا يعرفها هو نفسه” (1) حتى أن العديد من المهتمين أضفوا على نزيهة سحر ” فيروز المغربية” ّ و” أم كلتوم فرنسا ” و” إيديثبياف الشرق ” وغيرها من الألقاب التي استمدت منها صاحبتنا شحنة النضال من أجل استرجاع الآمال في الغد الأفضل للمرأة … سيما وأن نزيهة مفتاح تعد من أفضلالفناناتالتي أدت بإتقان أغاني هذا الهرم الفيروزي / نهاد حداد ، بعد أن أثبتت ذلك بمشاركتها مع فرقة المايسترو إيلي أشقر الذي ، صاحب لفترة طويلة الفنانة فيروز على آلة القانون. مما أهل صوت نزيهة الشفاف والبلوري لإعطاء دفعة جديدة ل”الفيروزيات”ونالت بذلك إعجاب الجمهور في الداخل والخارج. ، وهو ما دفع ببعض المتتبعين وعشاق مفتاح للتساؤل وقتها عن سر هذا الارتباط القوي بين الإسمين ف” كيف يمكن تفسير تواضع موهبة مستقبلها بالتاكيدامامها إلى حد الاكتفاء والاستظلال بظل الغير ، حتى ولو كان هذا الغير من عيار” فيروز” الحاضرة في كل مكان نغما وغضبا وحبا لا يعرف الفصول ولا يعترف بالفواصل ” ( 2 )غير أن هذا القلق سرعان ما تبدد وتلاشى امام إصرار نزيهة على نحت شخصيتها الفنية المستقلة التي تجاوزت اليوم كل الحدود.
































