الغبزوري السكناوي
في الوقت الذي تراهن فيه مدينة الحسيمة على تحسين جاذبيتها السياحية واستقطاب الاستثمارات في قطاع المقاهي والمطاعم، يلاحظ متتبعون محليون تزايد فوضى عربات المأكولات، وانتشارها اللافت في عدد من الساحات والشوارع الرئيسية، في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط التنظيم والسلامة الصحية. هذا الوضع، الذي لم يعد ظرفيًا أو مؤقتًا، بات مصدر قلق كبير لدى ساكنة المدينة والمهنيين على حد سواء.
ويؤكد مراقبون محليون أن الظاهرة لم تعد محصورة في نطاق محدود، بل امتدت إلى مواقع حيوية تُعد القلب النابض والواجهة الحضرية للمدينة، مثل الساحات العمومية وبعض المحاور القريبة من الشاطئ، حيث تزاول هذه العربات نشاطها دون ترخيص ظاهر أو خضوع لأي مراقبة من الجهات المختصة. ويرى هؤلاء أن طريقة الانتشار، وتزامن ظهورها في أكثر من نقطة، يوحيان بأن الأمر لا يمكن أن يتم دون علم السلطات، أو ربما بتواطؤ غير مباشر من بعض المتدخلين في الشأن المحلي.
من جهتهم، عبّر عدد من المواطنين عن تذمرهم من التأثيرات السلبية لهذه الظاهرة، خاصة ما يتعلق بروائح الدخان، وضجيج المولدات الكهربائية المحمولة، وما يرافقها من فوضى في ركن العربات المجرورة، واحتلال غير قانوني للفضاء العام. وأشار بعضهم إلى أن هذه الأنشطة تُمارس في غياب تام لشروط السلامة، لا ماء ولا كهرباء، بل ولا حتى احترام لحدود النظافة الأساسية، مما يعرض المستهلكين إلى مخاطر صحية جدية، ويؤثر على جودة الفضاء العام.
وعبّر فاعلون مهنيون في القطاع عن استغرابهم مما وصفوه بـ”الصمت غير المفهوم” للجهات المسؤولة، مؤكدين أن استمرار هذا الوضع يضر بالاستثمارات القانونية. كما اعتبروا أن تبرير بعض الجهات لهذا الوضع بـ”البعد الاجتماعي” لا يصمد أمام المعطيات الواقعية، إذ إن عددًا كبيرًا من أصحاب هذه العربات هم من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، مما يجعل مبرر “الإدماج المؤقت” أو “الدعم الاجتماعي” يسقط بالتالي، وتبقى مسؤولية الجهات المنظمة واضحة.
الأخطر من ذلك، حسب عدد من المهتمين بالشأن المحلي، أن هذا الانتشار لا يبدو عفويًا. فمن غير المعقول أن يكون المجلس الجماعي في “غيبوبة تنظيمية”، أو أن تكون السلطات المحلية والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية غافلين عن هذه المشاهد اليومية المتكررة. وفي ظل غياب أي إجراءات ضبطية أو توضيحات رسمية، يُفتح المجال أمام التشكيك المشروع في وجود “تواطؤ ناعم” أو “حسابات خاصة” وراء هذا الصمت.
ويرى مهتمون أن هذا المشهد، وفي غياب المراقبة والضبط، لا يخرج عن ثلاث فرضيات: إما أن الجهات المسؤولة أعلنت بشكل لا رجعة فيه عن “استقالتها الصامتة” وساهمت في الفوضى بالتقاعس واللامبالاة، أو أن هناك اتفاقًا ضمنيًا بين أطراف متداخلة مستفيدة من الوضع، أو أن الأمر ببساطة رسالة سلبية تريد بعض الجهات أن تنقلها إلى رواد الأعمال الذين استثمروا أموالًا ضخمة في قطاع المطاعم والمقاهي.
ويطالب المواطنون والمهنيون بتدخل عاجل يعيد النظام إلى المشهد الحضري، ويضمن المنافسة القانونية، ويحمي المستهلك من التسمم والفوضى والضجيج، محذرين من تحوّل هذا “التساهل” إلى قاعدة تُفقد المدينة مظهرها، وتُجهض فرص تنظيم القطاع ودمجه في نسيج اقتصادي منظم، معتبرين أن سكوت الجهات المسؤولة لم يعد محايدًا، بل أصبح منحازًا للفوضى، وعليها أن تقطع الشك باليقين، لأن الحسيمة تستحق بيئة حضرية نظيفة وآمنة، لا أن تُترك فريسة لفوضى يصعب تفسيرها إلا بغياب القرار الحازم أو غموضه.






























