أمين الفياض
في صباح بعيد من ثلاثينيات الشمال المغربي، كانت طفلة تنادى باسمٍ مدلل، ارحيمو. لم يكن الاسم مجرد تصغير لرحمة، بل كان اختزالا لحنانٍ مبكرٍ حملته إلى مدرسةٍ إسبانية في طنجة، ثم أعادته إلى مجتمعٍ كان يتلمّس طريقه بين الاستعمار واليقظة. هناك، في مدينةٍ تتقاطع فيها اللغات والرايات، تشكلت شخصية ارحيمو المدني؛ امرأة ستختار أن يكون سلاحها الكلمة، وميدانها الفصل الدراسي، ومنبرها الصحيفة.
ولدت سنة 1921 في زمنٍ لم تكن فيه دراسة الفتاة أمرا مألوفا، لكنها مضت إلى التعليم كأنها تمضي إلى قدرها. تعلمت في مدارس الشمال الخاضع آنذاك للإدارة الإسبانية، فأتقنت العربية والإسبانية معا، ووعت مبكرا أن المعرفة جسر لا يبنى بلغة واحدة. لم تكن تسعى إلى تميز شخصي، بل إلى معنى أوسع، أن ترى الفتاة المغربية وهي تعبر عتب المدرسة مرفوعة الرأس، وأن يصبح التعلم فعلا يوميا لا استثناء عابرا.
في سنة 1935، كانت لا تزال في ريعان الشباب حين عينت مدرسة للغة العربية في شفشاون. هناك، بين زرقة الجدران وبياض الأحلام، بدأت رحلتها الحقيقية. لم تكن المدرسة بالنسبة إليها وظيفة تؤدى، بل رسالة تعاش بكل تفاصيلها. كانت تدخل القسم كما يدخل الفلاح حقله؛ تعرف أن البذور الصغيرة تحتاج إلى صبرٍ طويل، وأن الحصاد لا يأتي في موسمه الأول بل يتراكم عاما بعد عام.
غير أن صوتها لم يبقَ حبيس الجدران. ففي 15 أكتوبر 1936، نشرت مقالا بعنوان “فتاة مغربية تستنهض المغاربة” في جريدة “الريف” الصادرة بتطوان. كان المقال نداء ثقافيا يدعو إلى تعليم الفتاة وإيقاظ المجتمع من سباته، بلغةٍ هادئة عميقة لا تعرف المبالغة. كتبت بثقة العارف بأن نهضة الأوطان تبدأ من دفاتر الصغار، وأن الكلمة حين تصدر عن امرأة في ذلك الزمن تصبح فعلا يتجاوز حدود الورق.
بهذا المعنى، التحقت مبكرا بركب الأصوات النسائية التي اقتحمت المجال الصحفي في شمال المغرب. لم تكن تكتب لتزاحم أحدا، بل لتفتح نافذة في جدار الصمت. جمعت بين رصانة المعلمة وحماسة المواطنة، فبدت كتاباتها أقرب إلى بيانٍ ثقافي رصين منها إلى مقال عابر. كانت تدرك أن الدفاع عن تعليم المرأة ليس شعارا، بل مشروعا طويل النفس يحتاج إلى إقناعٍ وصبر.
لاحقا، واصلت مسارها العلمي حتى حصلت سنة 1964 على إجازة في الآداب من جامعة غرناطة. لم يكن السفر إلى الأندلس مجرد محطة أكاديمية، بل عودة رمزية إلى ضفةٍ تاريخيةٍ ظلت حاضرة في وجدان الشمال المغربي. هناك، صقلت أدواتها المعرفية، وعادت أكثر رسوخا في قناعتها بأن التعليم هو الرأسمال الحقيقي للمجتمعات الساعية إلى التحرّر.
تولت إدارة عدد من المدارس بتطوان، طنجة وشفشاون، وظلّت في خدمة التربية إلى أن تقاعدت سنة 1981. وبين الفصل الدراسي والمقال الصحفي، ساهمت في العمل الجمعوي والاجتماعي، معتبرة أن المدرسة لا تنفصل عن محيطها، وأن إصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح نظرته إلى المرأة. كانت ترى في كل تلميذة مشروع مواطِنة كاملة، لا تابعا هامشيا في هوامش التاريخ.
رحلت سنة 1984 في هدوء يليق بالرواد الذين يتركون أثرهم في العقول لا في العناوين. لم تسعَ إلى أضواءٍ ولا إلى ألقاب، لكن حضورها ظل ممتدا في ذاكرة الشمال المغربي، وفي كل خطوة قطعتها فتاة نحو مقعد دراسي بثقة أكبر. هكذا تبقى سيرتها علامة على زمنٍ كانت فيه الكلمة النسائية شجاعةً صافية، وكان التعليم وعدا مفتوحا بمستقبلٍ أعدل.































