أمين الفياض
في سنة 1926، وفي شمالٍ مغربيّ مثقلٍ بظلال الحماية الإسبانية، وُلدت آمنة بنت عبد الكريم اللوه بقرية “تيغانيمن” قرب الحسيمة، في بيتٍ كان الفكر فيه جزءا من المعيشة اليومية. والدها من رفاق الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وبيئتها الأولى مشبعة بروح المقاومة والمعرفة معا. لم تكن طفولتها عادية؛ فقد نشأت على وعيٍ مبكر بأن العلم شكل من أشكال التحرر، وأن الكلمة يمكن أن تكون امتدادا للنضال الهادئ.
انتقلت إلى تطوان حيث تلقت تعليمها، وأظهرت تفوقا لافتا منذ السنوات الأولى، فحصلت على شهادتها الابتدائية في ثلاث سنوات وكانت الأولى في دفعتها. واصلت المسار نفسه في التعليم الثانوي ثم في مدرسة المعلمين، لتصبح معلمة في المؤسسة التي درست بها، قبل أن ترقى إلى إدارتها. كان التعليم بالنسبة إليها رسالة لا وظيفة؛ مشروعا لبناء وعيٍ جديد، خصوصا في صفوف الفتيات.
غير أن طموحها المعرفي تجاوز حدود القسم، فالتحقت بـجامعة مدريد المركزية ونالت سنة 1957 الإجازة في الفلسفة والآداب، ثم تابعت دراساتها العليا لتحصل على الماستر سنة 1965، قبل أن تنال دكتوراه الدولة في الآداب سنة 1978 بأطروحة حول المدرسة العربية في شمال المغرب. كان مسارها الأكاديمي امتدادا طبيعيا لشغفها بالتعليم والبحث.
في الصحافة، أطلّت سنة 1946 عبر أثير إذاعة “درسة” الجهوية بتطوان ببرنامج أسبوعي خاطبت فيه الأسر ودعت إلى تعليم البنات وتعزيز الوعي الوطني. ثم انتقلت إلى الصحافة المكتوبة، فكتبت في “مجلة الأنيس” و”جريدة الريف” و”مجلة دعوة الحق” وغيرها، مسهمة في دينامية ثقافية رافقت الحركة الوطنية. كان قلمها رصينا، منحازا للتعليم والإصلاح الاجتماعي.
أما في الإبداع الأدبي، فقد رسخت حضورها برواية “الملكة خناثة قرينة المولى إسماعيل” التي نالت عنها جائزة المغرب للآداب سنة 1954. أعادت من خلالها قراءة التاريخ من منظور نسوي، مقدمة شخصية “خناثة بنت بكار” باعتبارها فاعلا في الشأن السياسي، لا مجرد ظلّ في البلاط. عد العمل من أوائل النصوص الروائية النسائية بالعربية في المغرب.
تنقلت بين التدريس والتفتيش والبحث العلمي، وشاركت في مؤتمرات وطنية ودولية، وظلت حاضرة في المشهد الثقافي المغربي بصفة خبيرة وباحثة. عاشت بعيدة عن الأضواء، واعتذرت عن تكريمها بزهدٍ واضح، قبل أن ترحل سنة 2015، تاركة أثرا راسخا في ذاكرة الأدب والصحافة والتعليم بشمال المغرب.































