إذا كان كل شيء يتقهقر في الحسيمة والريف عموما والمؤشرات المفضوحة تغنينا عن تذكير أصحاب القرار بالأرقام فهم أكثر الجهات أدرى بحال مختلف الفئات الاجتماعية، ومنطقي جدا أن يتصاعد الاحتجاج، فالذنب ليس ذنب المحتجين، حتى لا يتم قلب الآية لتحميل المسؤولية لمن لم يجد من خيار آخر غير حنجرتهم التي بحت من شدة الصراخ على مدى أزيد من أربعة أشهر، منذ ذلك اليوم التراجيدي من أواخر أكتوبر المشؤوم الذي أطاح بتاجر سمك بتلك الطريقة التي آذت كل ضمير إنساني.
فالسلطة عوض البحث عن الحلول المنطقية والمعقولة للمشاكل المستفحلة، وهي حلول تتطلب فعلا جهدا ماليا ومعنويا بابها الأول هو النزول إلى طاولة الحوار، بدل ذلك ظلت تستحضر بكل قوة حلولا لا تتطلب ولو دقيقة واحدة أو لا تتطلب التفكير أصلا، وهو القمع والاحتواء واللعب على وتر الزمن لاختمار الأزمة ، لكنها تخطأ ألف مرة لأنها لم تستوعب بعد بأنها تخاطب إرادة الشارع الذي انطلق لاستعادة زمام المبادرة من أجل التغيير، ليس بمعنى قلب النظام ولا حتى الحكومة بل تغيير الأوضاع على مسارين : مادي يتمثل في كون المواطنين لم يعودوا قادرين على تحمل سياسة ” عدي باش ما عطا الله “، ومعنوي وهو الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ، في هذا المحور الثاني تنكشف عيوب السلطة ونواياها الحقيقية، والتي لو كان لها أدنى ذكاء لاعتبرت احتجاج الشارع رسالة قوية لتصحيح اعوجاجها في تدبير الشأن العام.
ولعلم هؤلاء أن الاحتجاج لم يخرج من الفراغ بل وجد تربة خصبة ومعبئة من أجل خلق هذه الرجة والفوران الذي لا يمكن إيقافه بالعنف طالما أن المجتمع عبر عن يقظة عالية وأدرك كيف تدار الأزمات في مجتمع لا تسوده دولة الحق والقانون.
ألم يكن حريا بهذه السلطة أن تساءل نفسها عن أسباب فشل سياستها الاجتماعية، وعن عجز كل مؤسساتها على تدبير أزمة مستفحلة تقود المنطقة فعلا إلى النفق المظلم اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، لكن الضوء الذي يلوح في نهاية النفق سيكون مكلفا للسلطة على مستوى مشروعيتها السياسية في محيط مثخن بجراح الماضي، فالذين يراهنون على الانكسار لم يدركوا بعد أن الاحتجاج لم يكن ، كما يعتقدون ، نتاج صرف لشبكات التواصل الاجتماعي ومدى تأثيرها على الواقع ، فلا حراك بالفيسبوك والتويتر واليوتوب والايف ، فهذه مجرد وسائط انتقلت الآن من العالم الافتراضي إلى إنتاج أفراد حقيقيين في الواقع يقودون الاحتجاج الذي هو في تطور مستمر ويستفيد من أخطائه وقابل أن يصير أكثر تقدما مع الأيام بعد أن يستوعب الجميع معنى التلاحم في ظل الاختلاف عندما يصير الخصم واضحا.
وعندما تصغي السلطة إلى شعار ” المخزن اطلع برا والريف أرضي حرة ” لا تفهم منه إلا حمولته السلبية والوغلة في التأويل المفتوح على النوايا المغرضة، لكنها تتعامى ، عن قصد ، بكون الشعار يعبر عن تطلعات المواطنين للعيش في كرامة وعدالة اجتماعية ومن أجل اقتصاد منتج لفرص الشغل وليس اقتصاد الريع والولوج للخدمات الاجتماعية وتحسين مردوديتها وهي مطالب لها علاقة بالصحة والتعليم والقضاء …
فكيفما كان المآل فقطار التغيير انطلق، قد تتغير سرعته لكنه لن يتوقف، ولا نبالغ إذا قلنا أنه يكرس لقيم داخل المجتمع تنغرس يوما بعد يوم لابد أن تتحول إلى معايير، وهنا يجب أن يبدأ التناظر والنقاش ، إننا نتحدث هنا عن قيم ما بعد المادية لأن هناك علاقة لها معنى عميق إحصائيا بين المظاهر القيمية والنفسية للسلوك الاحتجاجي لناشطي الحراك لا يمكن تفسير دائما بنمط العمر والجنس وعقدة التسلط والحرمان الذي أفاض التحليل الماركسي في تفسير تمرد الكادحين على أصحاب المال ورموز الغنى الفاحش ، صحيح أن هذه الملامح قائمة لكنها ليست الوحيدة المفسرة لظاهرة حراك من أجل التغيير وإن بدا أنه يستلهم رجات نكوصية من الماضي الغابر ربما كدافع لشحن المقاومة له أضرار جانبية طبعا ، لكنه تغيير ، في المحصلة النهائية، مفتوح على المستقبل باعتباره تطور وتحول محكوم بالسيرورات الثورية التي سيتسع مداها باتساع دائرة الاستعمال الذكي لتكنولوجيا المعلومات وقنوات التواصل الاجتماعي التي لم تعد تترك من هامش لقوى الاستبداد من أجل الاستمرار في نفس التوجه.. وعندما تدرك دوائر السلطة أن معاني التغيير الذي ستتجابه معها في المستقبل لا يمكن القضاء عليه باليد الحديدية بل بتغيير جوهرها من كونها سلطة تنتج الحيف الاجتماعي والسياسي إلى سلطة في خدمة الشعب.
ألتبريس.






























