أثارت واقعة اعتقال مجموعة من الاعلاميين في قطاع الاعلام الالكتروني بالحسيمة تساؤلات حقيقية، حول مدى ضيق صدر السلطة التي لم تجرع بعد هذه الموجة الجديدة من الممارسة الاعلامية اللصيقة بالحدث والتي تنقله لحظة بلحظة عبر تقنيات معاصرة ضيقت الخناق بشكل فعلي على إعلام ’’ العام زين’’، وكشفت وجه السلطة الحقيقي ، ليس من جانب فضح الوقائع وطريقة تغطيتها المتحيزة له التي لم يعد لها من مكان ، ولكن لكونها ترفض قبول الرأي الآخر والتعدد في مصادر نقل الخبر، لأن الحقيقة لا توجد إلا في الاختلاف والتعدد، خارجها لا توجد إلا الموت !
ولعل حملة التمشيط التي استهدفت مجموعة من الاعلاميين الشباب الذين انخرطوا في متابعة أحداث حراك الحسيمة بالصوت والصورة بشكل أزعج الحرس القديم لسلطة الرقابة التي تفتقت ذاكرته البليدة على خطة للجم المد الهائل لهذا الصنف من الاعلام عبر تلفيق تهم ’’ انتحال الصفة ’’، وهي تهمة عارية من أي أساس، لسبب بسيط، هو أن هذه الممارسة الاعلامية الجديدة تكرست كمنجز إعلامي وكابتكار انساني، قبل تقنينها من طرف المشرع المغربي بظهير 16 غشت 2016 بتنفيذ القانون رقم 13- 88 المتعلق بالصحافة والنشر ، ومادام أن القانون لا يطبق بآثر رجعي، فقد أمهل المشرع هؤلاء الاعلاميين سنة كاملة من أجل تسوية أوضاعهم إن كانوا فعلا لم يكيفوا مواقعهم مع هذا القانون، تلك المهلة التي تنتهي سنة بعد اليوم الذي نشر فيه هذا القانون بالجريدة الرسمية ، وهو أجل ما زال مفتوحا بقوة القانون.
ورغم ما جاء به هذا القانون من حماية للإعلام بصفة عامة والالكتروني على وجه الخصوص من آليات حمائية، على الأقل ظاهريا، باتت اليوم على محك الحقيقة على ضوء مجريات الواقع الذي تديره وتتحكم فيه سلطة آخرى تحاول الزج بالقضاء في محاولات لتكميم أفواه الاعلاميين عبر استصدار تأويلات وقراءات غير موفقة في تسليط الرقابة على الاعلام الالكتروني، في وقت كان يتطلب الاكتفاء بقراءة ضيقة للنصوص القانونية حتى لا يتم إجهاض دينامية تساهم في إنعاش المشاركة الشعبية وتنمية الحس النقدي لدى الرأي العام، خصوصا أن الدستور في فصله 28 جاء بصيغة التشجيع للممارسة الإعلامية بجعل ’’ حرية الصحافة مضمونة ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية ’’ كما أن الاعلان العالمي لحقوق الانسان سبق أن أصّل الحقوق والحريات في مادته 19 بشكل لا يقبل التأويل’’ لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية ..’’ كما أن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية سار في نفس الاتجاه بتوسيع مجال الحقوق والحريات ’’ كل إنسان حق في حرية التعبير ، ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين …المادة 19 ’’ فضلا عن كون ديباجة قانون الصحافة والنشر في مادته الأولى يحيل على الدستور والتزامات الدولة التي يترتب عن مصادقتها للاتفاقيات الدولية..
خلاصة القول أن رفع سيف الرقابة واعتقال عدد من الاعلاميين الذين واكبوا حراك الحسيمة ينم عن مستوى غير مشجع للإعلام ، وتعد هذه النازلة أول اختبار للقضاء في ممارسة صلاحياته المكفولة له وحده في متابعة الاعلاميين والحد من نشاطهم، لأن السلطة تريد من هؤلاء أن يكونوا إعلام إلهاء للشعب ومخاطبة الرأي العام وكأنهم أطفال وإبقاء العامة في حالة من الجهل والغباء السياسي .. وهو توجه عفا عنه الزمن وأنا لا أرى من طريقة ممكنة لمواجهة الاعلام الالكتروني هو أن تقوم السلطة بتغيير نفسها، وفورا، واعتقال عقليتها البائدة التي لم تعد تصلح لأي شيء سوى تعكير أجواء التحول التاريخي الجارف، فإما أن تركب الموج أو تجرفها إلى حيث لا تشتهي ، فحذاري من اللعب بالنار ، فأول استجابة لهذا التحذير هو التسريح الفوري لهؤلاء الاعلاميين لاستئناف مسيرتهم الاعلامية دون مضايقة أو تهديد..
أبو علي































