لا يمكن تجاوز التاريخ لنفهم ما يحصل بالريف اليوم ،ودون تكرار المعروف منه في محطات محددة 1958 /1959 والتي للأسف ترسبت في الذاكرة الموشومة للريفيين والريفيات عقب الأحداث الدموية الأوفقيرية وملابسات السياسة والتحزب بالمنطقة وما نتج عن ذلك من تصفيات سياسية ساهم فيها الكل ، وبعد خمود دخان الحرائق ،عزلت المنطقة عزلا تاما عن الوطن بقرارات سياسية خرقاء نمت منسوب الكراهية والحقد المتبادل بين الهامش والمركز وترجم ذلك في صيغة إقصاء تنموي تمييزي ، كما هجر العديد من الساكنة إلى ” الخارج ” لبناء خراب أوروبا مابعد الحربين العالميتين وأصبحت سواعدهم رافعة إقتصادية اجتماعيا لإعالة من بقوا حارسين لأرضهم الأم ،إلى أن حل العهد الجديد مع الملك محمد السادس الذي زار المنطقة متصالحا مع جروح الماضي واعدا بجبر الضرر المادي والمعنوي وبدت السنوات الأولى من حكمه بشارة لرد منسوب الثقة المفقود ما بين الريف والدولة وأقدم على تبديل رجل الدولة القوي نزولا عند صيحات الريفيين بمدخل المدينة وهو الأمر الذي استقبله المغاربة بارتياح عميق ، وتمت مباشرة المصالحة عبر قنوات هيئة المصالحة و الإنصاف وتم جبر ضرر بعض المتضررين من ضحايا سنوات الجمر والرصاص،كل هذا سيعزز من درجات الثقة المتبادلة بين الطرفين .
وتكررت الزيارات الملكية للمنطقة حاملة بعض الأوراش الهامة بالمقارنة مع العهد البائد ،غير أن الكوارث التي مرت بها المنطفة /زلزال الحسيمة والذي كان بمثابة رائز لاختبار مدى الثقة الذي وصل إليهما كلا الطرفين :الريف والدولة حيث حظيت المنطقة بتعاطف وطني ودولي تجلى في تقديم المساعدات الإنسانية ،وهنا الطامة الكبرى حيث سجلت ممارسات وأفعال مشينة تطرقت إليها الصحافة المحلية والوطنية ،تجلت في تهريب وسرقة هذه المساعدات من طرف بعض المسؤولين بل إن حتى من نصبوا أنفسهم فاعلين من المجتمع المدني المحلي تلبسوا بهذه الأفعال ،من هنا انطلقت بدرة التشكيك المتبادلة فيما بين كل الأطراف جمعيات مدنية ،حقوقية أحزاب سياسية إلخ ..ناهيكم عن الدولة التي ، بعد ، المصالحة عرفت بعض نخبها الذين كانوا ينتامون إلى اليسار الجذري المراجعين لأفقهم الإيديولوجي كانت قد حصلت لهم القناعة أن يضعوا يدهم في يد المخزن الجديد ممثلين للريف لدى السلطة المركزية من أجل بناء الثقة من جهة ،والمساهمة بوصفهم أبناء المنطقة في التنمية الشاملة والناهضة للريف المهمش، وفعلا جاءت الانتخابات وترشح هؤلاء ” النخب ” اليساريين الجدد للمجالس ومروا إلى تدبير الشأن العام المحلي ومنهم من بلغ شأوا إلى أن أصبح مقرب من مركز قرار الدولة ضمن تجربة حزب أغلبي انبثق تحت أعين وبمباركة الدولة ، وجرت مياه تحت نهر الأحداث لنصل إلى تراجعات شهدها الإقليم على كافة المستويات بدءا بالتقسيم الإداري الجهوي الذي مس هيكله كنوع من النكوص في الرتبة من ولاية إلى عمالة ، خلو من كل المشاريع المقامة بالحسيمة مما هو تنموي ينعكس مباشرة على الساكنة خصوصا في سوق الشغل فلم تشيد لا معامل بعد أن هجر ما كان متوفرا لديها نهاية السبعينات سلاديرو /معامل تصبير الأسماك مثلا إلى مناطق ” المغرب النافع “.
و لا مقاولات صغرى تضخ الأمل في الشباب ،شباب العهد الجديد ولا جامعة تكفي الآباء عناء مصاريف متابعة أبنائهم الدراسة ، وأمام هكذا وضع ماذا كان السياسيون والحزبيون محليا ووطنيا ينتظرون ،فقط أن يزوروهم ليأخذوا أصواتهم ، ويرشون ضعافهم بفتات الموائد ،ويقذفون في وجوههم ببرامج خيالية من ورق ،مما رفع من منسوب الحكرة عوض الطمأنينة ،ومن منسوب الغضب عوض الفرح ،ومن منسوب الحذر عوض الثقة وهذا كله أدى إلى حالة الإحباط واليأس .
ومما صب البنزين على النار ،تصرف الحكومة مع الملف المطلبي الذي عرضنا بعض نقطه سالفا وهو على بساطته ومشروعيته لقي آذانا صماء لمدة سبعة أشهر ،دون أن نستحضر تلك الأوراش الكبرى التي وقعت تحت أنظار الملك ، ولم ترالنور إلى أن قام الحراك حيث بدا ذر بعض الرماد في الأعين من أرصفة وقنوات وحفر حتى استحالت الحسيمة إلى مدينة منكوبة ،أفبهذا نسترجع الثقة ، أبالعسكرة الأمنية والتوقيفات والاعتقالات التعسفية وبالتضليل والكذب على الحراك والساكنة ونعتها بأشنع النعوت :بالانفصال وممن ؟ من الذين كان من المفروض أن يصطفوا إلى جانب الحراك لا أن يعادوه ويجرموه وأقصد الحكومة وأحزابها في الأغلبية .
والآن : هل أحرقنا مراكب العودة ،بوصفي مواطنا من ساكنة الحسيمة أقول لا ،شرط :
أ إطلاق سراح كل المعتقلين والموقوفين من قيادات وشباب وشابات الحراك ، وهنا أتوجه في المقام الأول إلى ملك البلاد ليستعمل حقه الدستوري رئيسا للدولة و أميرا للمؤمنين .
ب الأحزاب السياسية خصوصا تلك التي أجرمت في حقنا ونعتتنا بالانفصال كنوع من الاعتذار الجريء والشجاع
ج كل المثقفين والفنانين والمبدعين الشرفاء في هذه البلاد تحمل المسؤولية الأخلاقية والخروج من دائرة الصمت والعتمة إلى منطقة الضوء والصدح بالحق.
إلى الحكومة لتعطي أوامرها بفك الحصار الأمني عن الريف .
إلى أخواتي و إخواني في الحراك التشبت بالسلمية والحضارية ورفع سقف حب الوطن فوق كل الاعتبارات كما كنتم دائما و لاتخعوا للاستفزاز.
بعدئذ إن تحققت هذه الشروط يمكن أن يخلق جو نقي للحوار والمشاركة وفي إيجاد الحلول من كل الأطراف الدولة والهيئات المنتخبة والمؤسسات الحزبية والمدنية بمن فيهم تنسيقية الحراك وقاداتها مع مقترح تشكيل لجنة إقليمية لمتابعة الوعود التي أعطاها وزير الداخلية لإنجاز مطالب الحراك المعقولة في الآجال التي وعد بها تحت قبة البرلمان مع التدقيق في الأجندة الزمنية وتمويلها .
محمد العربي هروشي






























