بدأت تظهر ملامح المنهجية التي تقترحها الدولة والنخب السياسية الحاكمة لعلاج شبح الانتخابات المقبلة التي ترشح كل الاحتمالات أنها لو أجريت في ظل تعاظم الاحتقان الحالي ستكون نتائجها كارثية من حيث تعمق ظاهرة نفور المواطنين وفقدانهم للثقة في كل شيء: المؤسسات ، النخب .. وفي هذا السياق أثير موضوع إجبارية التصويت الذي طرح للنقاش كآلية لعلاج النفور والعزوف عن المشاركة في الانتخابات المقبلة عبر التأرجح بين السم والترياق، وهو قرار إداري صرف يراهن عليه لإثمار نتائج سياسية لابد من مناقشتها:
أولا: إن إجبارية المشاركة في الانتخابات هو إجراء استثنائي تعمل به بعض الدول الديمقراطية رغم أنه يتناقض مع حرية المشاركة ، وسنّته بعض الدول الديمقراطية لكون الشباب بعد أن استأْمن على المسار الديمقراطي راح لا يبالي بالمشاركة مما جعل بعض الدول تلتجأ إلى اجبارية المشاركة تحت طائلة التغريم في حالة عدم الامتثال،
ثانيا: يطرح المشكل عندما يتعلق الأمر بدول لم تستكمل بعد مسار الانتقال الديمقراطية أو تعيش نكسة سياسية لهذا المسار، حيث أن المواطنين الذين يرفضون الذهاب إلى صناديق الاقتراع لا يفعلون ذلك بمحض الصدفة أو عدم الاكتراث ، حيث عدد كبير منهم يتخذ موقف سياسي نتيجة فقدانه للثقة في هذه الانتخابات، مما يطرح أسئلة جوهرية حول التجاء الدولة إلى سن إجبارية الانتخابات كأسلوب عقابي صرف ينطوي على نوع من التأديب الموجه للفئات المقاطعة وخصوصا الشباب منهم،
رابعا: إن الانتخابات في المغرب ليس شأنا نخبويا فقط بل هو تكريس لمشروعية الدولة ، وبالتالي فإن عدم المشاركة يشكل قلقا كبيرا للدولة أكثر من النخب السياسية ، ولذلك فهي تعول على إجبارية المشاركة رغم وعيها التام أنه في حالة نجاح الخطة، فليس هناك أي رادع يمنع المواطنين من المشاركة البيضاء والفارغة ، لكن مع ذلك تعتبر مشاركة، وبالتالي تكون الدولة قد حققت المراد من حيث تثبيتها للمشاركة، وفي نفس الوقت تحمل المسؤولية للنخب لعدم استقطاب الناخبين إلى التصويت عليهم، إن الأمر يتعلق بالنسبة للدولة بتحييد وجودها ومسؤوليتها وتحميلها للنخب كاملة،
خامسا: ولعل وجه المفارقة في هذا الاجراء أنه يأتي في سياق إغلاق الحيز السياسي من طرف الدولة ، وفي نفس الآن تطالب بإجراء اللعبة في نصف المعترك دون التقرب إلى النصف الثاني باعتباره مجالا محفوظا للدولة غير قابل للمساس.
إن جوهر المشكل المطروح كظاهرة عالمية هو أن الرهان على الشباب من أجل استئناف عملية اشتغال النسق السياسي أصبح أمرا في غاية التعقيد حتى في الدول الديمقراطية وأخرى في المغرب، نظرا لكون الشباب الذي يدور عليهم الرهان، هم ظل الوضع المتقلب، هم أصلا ضد النسق السياسي الذي لا يستجيب لتطلعات التغيير السريع، علما أن الغالبية العظمى لهؤلاء الشباب، رغم أنهم ضد النسق، فهم مع الاستمرارية قلة قليلة منهم مع القطيعة، وهذا يشكل بالنسبة للمغرب فرصة لتدارك الوضع عبر الخروج من الاعتقاد الساذج أنه بإمكان استغلال الاحتقان للبحث عن عائد سياسي يمكن استثماره في تشطيب النخب السياسية التقليدية.
يبدو أن الخيال السياسي المجنح للذين يهيؤون لهذا القرار يعتقدون أنه بالإمكان حل معضلات الانكفاء واليأس وذلك بالتشبث بالتوهم بأن شيئا ما أشبه بالقدر سينقذ الوضع، وهو أمر في غاية البساطة بالنظر إلى عمق المشكلات المطروحة التي لا يمكن علاجها سوى بالإجراءات السياسية والمؤسساتية العميقة، بعد أن تأكد أن من زرع الاعتقاد بإمكانية استثمار الاحتقان قد أدى بالبلاد إلى التقرب من حافة الهاوية.
ألتبريس






























