عالم البشر مقسم إلى مرتبتين : هناك من يصل في الوقت ويدعي أنه يمضي في ركب التقدم إلى الامام وهناك من يتأخر عن الوقت ويسحبه الزمن تدريجيا إلى أسفل السافلين ويعيش في المأساة، فالحكمة في أسباب التقدم والتأخر لا علاقة لها بالزمن، فالذين يصلون لا يفعلون ذلك بسبب السرعة كما أن الذين تأخروا لم يكونوا بطيئين، فالبطء لا يعني نقص في السرعة بل هو ناتج عن تقصير في تدبير الزمن.
دائما نصاب بخيبة أمل لكوننا نرى الطموحات بعيدة المنال إن لم نقل قريبة من المستحيل، لأن وثيرة العمل والحياة في تسارع، فالتأخر عن الوقت تحول إلى شرط وجودي يقودنا إلى شاطئ القطيعة أن صح التعبير حتى أن الروائية OTTESSA MOSHFEGH في روايتها سنتي للراحة والاسترخاء هاجمت الساعة والزمن بقولها ما معناه : ماذا لو كان ممكنا أن نتوقف عن فعل أي شيء ونخلد إلى النوم العميق والقريب من الموت حتى لا نحس بأي شيء لأن كل شيء أصبح ذوقه مرا ! ( العبارة المسطرة من عندي )
لقد أصبح البطء مع همجية الرأسمالية المتوحشة يعني التخلف والتأخر وأن ما هو ممكن في زمنها المعمم هو التسارع، وهي تطلب من البشر أن يبقى يقظا أكبر قدر ممكن من الزمن وأن لا يخلد إلى النوم لأنها ترى فينا كائنات وجدت لتستهلك البضاعة وإذا خلد الانسان إلى النوم توقف عن الاستهلاك وهي خسارة لمنتوجاتها المعروضة بجاذبية إشهارية لا تقاوم، علما أن البطء كان يشير لكل ما هو ناعم حتى حدود القرن الخامس عشر قبل أن يصبح نوع من التخلف .
ويلاحظ بشكل بديهي وتلقائي أن معدل نوم الانسان قد تقلصت مدته بشكل مروع والمؤشر في انخفاض مستمر والتأثير السلبي على الناشئة أصبح متوقعا ونتائجه وخيمة حتى أن المرء يضطر للقول أنه ليس بالامكان أحسن مما كان مع حالة الطبيعة فعلى الأقل لم يكن المرء يحس بالذعر وهو يوشك أن يقترب من الكارثة في كل شيء، ولم يكن يعيش في جو تخيم عليه سخافة الأشرار التافهين الذين جعلوا من الأخبار السيئة أخبارا جيدة ويبحثون عن الخير في قاع الشر.
نحن أمام وضع معقد نختصره اختصارا بنوع من الصمت الانتباهي تجاه الاستلاب العميق الذي ضرب وعي الناس وأدخلهم في مجاعة زمنية فليس كل من يجري ويتسارع يبحث للوصول إلى هدف معين فهناك من أصيب بسيكولوجية التسارع من أجل التسارع ولا هدف أو حدث ينتظر انبلاجه.
فالكل يبحث عن البطولة والنجومية والظهور والتألق حتى من لا جدارة له يسعى لذلك ولو بتصيد من يبايعه فيسبوكيا، وهذا ما دفع الفيلسوف سبينوزا يقول ذات مرة قوله المثير : ” ليس هناك أسوأ استبداد من ذلك الشخص الذي يعمل لكي يكون محبوبا”.
إن الادراك العميق للأمور لا تتم باللغة بل بالحدس والذوق فهل هناك من ينكر أننا أمام أذواق جديدة، وأقصد من في جيلي ، طعمها مر بالنسبة لنا وقد يكون حلوا بالنسبة للآخرين ..وهي تدور.. لكن حذاري فالبطولة لا تصنع بالصفير !
أبو علي بلمزيان






























