يُعد جمال أبرّو واحدًا من الأسماء المغربية المتميزة التي تجمع بين الحس الفني والدقة البحثية. فهو باحث، خطّاط، مؤلف ومحاضر، عُرف بانشغاله بفنون الكتاب وتقنيات صناعته في الحضارة الإسلامية والأوروبية، وباهتمامه بتاريخ الخط والورق والأحبار والزخرفة واللسانيات الأمازيغية. ينطلق أبرّو من رؤية تعتبر الكتاب كائنا حيا يجمع بين الجمال والفكر والذاكرة، ويجعل من مشروعه العلمي والثقافي جسرا يربط بين الهوية الأمازيغية والذاكرة المتوسطية المشتركة.
ويواصل جمال أبرّو هذا المسار بإصدار جديد ضمن سلسلة “تاريخ ورؤى متوسطية” بعنوان “آيت ورياغر في قلب التاريخ: الحروب الريفية والاستعمار الفرنسي- الإسباني”. وهو عمل باللغة الفرنسية يجمع بين التوثيق والتحليل التاريخي، يتناول جذور الحروب الاستعمارية في الريف المغربي منذ أواخر القرن الخامس عشر إلى سقوط المقاومة الريفية سنة 1927، مستندا إلى وثائق وشهادات نادرة تعيد رسم التاريخ من الداخل، بمنهج علمي دقيق ورؤية إنسانية تستنطق الذاكرة الجماعية للمنطقة.
ويتتبع المؤلف بدايات التوسع الإسباني في شمال إفريقيا منذ سنة 1494 حين قسم البابا ألكسندر السادس العالم غير المسيحي بين إسبانيا والبرتغال، وهي الخطوة التي مهّدت لاحتلال مليلية سنة 1497، ثم بادس 1508. كما يرصد التحولات التي أعقبت مؤتمر برلين أواخر القرن 19 وتقاسم النفوذ الأوروبي على المغرب، وصولًا إلى 1912 حين تمركزت فرنسا في فاس والدار البيضاء لقمع الانتفاضات الأمازيغية. وفي هذا السياق، يبرز الريف كفضاء مقاومةٍ صلب، تتقدمه قبيلة آيت ورياغر في مواجهة الزحف الإسباني ومعارك أنوال وإغريبن وإغروان التي تحولت إلى رموز للكرامة والصمود.
ويتضمن الكتاب، الذي صدر خلال هذه السنة عن دار النشر الفرنسية L’Harmattan، شهادات ووثائق نادرة حول استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين سنة 1927، في واحدة من أكثر الصفحات إيلاما في تاريخ الريف، حيث يسعى أبرّو إلى مقاربة هذا التاريخ لا باعتباره مجرد سجل وسرد للمعارك، بل باعتباره ذاكرة إنسانية لا تزال آثارها ممتدة في الوعي الجمعي المحلي وتستحق الإنصات وإعادة الاعتبار.
ويختم أبرّو هذا الإصدار باعتباره حلقة جديدة في مشروع بحثي متكامل يعيد الاعتبار لتاريخ الريف وثقافته. ومن أبرز مؤلفاته السابقة “ليلا وعمار: حكايات أمازيغية من قبيلة آيت ورياغر بالريف”، و”فن الكتاب وصناعته في القرن الحادي عشر في الغرب الإسلامي وأوروبا الجنوبية”، و”قاموس ريفي– فرنسي مصوّر: لهجة آيت ورياغل بالريف الأوسط، المغرب”، وهي أعمال تعكس عمق المشروع الذي يجمع بين البحث التاريخي والفني واللغوي في خدمة الذاكرة المغربية.
ويُعتبر الباحث جمال أبرّو واحدا من أبرز الباحثين المهتمين بتاريخ الريف، حيث يجمع في دراساته بين التحليل التاريخي والعلمي. وهو ينحدر من دوار “تيكرت”، وكان جده وزير حرب الخطابي. وهو متخصص في تقنيات صناعة الكتاب في العصور الوسطى وتاريخ اللسانيات الأمازيغية، وتفتح خلفيته العلمية في علم الفيزياء والكيمياء وعلم النبات أمامه آفاقًا جديدة للبحث في تاريخ الكتابة وكيمياء الأحبار ومختلف المواد الحاملة للفكر، مما يمنح مؤلفه بعدا فريدًا يربط بين المعرفة والتاريخ والهوية































