الحراك الذي يشهده المجتمع المغربي في السنوات الأخيرة، هو مؤشر على أن هذا المجتمع حي وحيوي ومتفاعل، وهو عكس ما يقال عنه من أنه عازف عن السياسة .
غير أن هذه الحيوية المتمثّلة في الاحتجاج والتفاعل في شبكات التواصل الاجتماعية، ليست هدفا في حد ذاته، بقدر ما هي تعبير يتطلب التعامل معه بجدية وليس باللامبالاة التي يحاول بعض المسؤولين نهجها.
لابد من التأكيد على أن الإحتجاج السلمي لا يعني الرغبة في خلق القلاقل أو المس بالأمن العام للبلد. كما أن الإحتجاج لا يعني دائما أن صاحبه على حق خصوصا حينما يتعلق الأمر بمطالب تفوق سقف الممكن وهذا نهج العمل النقابي الذي يطلب الكثير من أجل تحقيق ما يمكن تحقيقه. غير أن السقف المرتفع للمطالب لا يمكن مواجهته بالتخوين أو برميه بنعوت لا تقبلها المرحلة خصوصا وأن هذه المطالب لا ترتفع عن الجانب الإجتماعي وليست ذات صبغة سياسية تنشد المس بالقواعد المشكلة للدولة.
إن المشهد العام للإحتجاجات التي يعرفها المغرب في المدة الأخيرة لا تخرج عن مطالب اجتماعية /نقابية في قضايا محددة تشمل مقررات حكومية أو مشاريع قوانين في طور الإنجاز أو مطالب قطاعية في الصحة والتعليم أو في قضايا تهم المجتمع من فواتير كهرباء وماء ومطالب بفك العزلة أو بالسكن وغيرها.
إن هذه المطالب تبحث عن تفهم أصحاب القرار لها، وتتطلب بالدرجة الأولى فتح نقاش مسؤول وجدي في حينه دون ما ترك الأمور تتخذ أبعادا قد تنزاح إلى سلوكات غير مدروسة.
إن مثالي احتجاجات طلبة الطب والطلبة الأساتذة هما نموذجين لخلل في الحوار. لقد كان بالإمكان توقيف احتجاجات الطلبة الأطباء في بدايتها، غير أن الجهات المسؤولة تركت كرة الثلج تكبر إلى درجة بلغت مستوى مقلقا هدد السنة الدراسية ليتم اللجوء إلى حوار كان من المفروض أن يتم في البداية.
نفس الشيء بالنسبة للطلبة الأساتذة فبالحوار المسؤول كان بالإمكان تفادي ما شهدته الساحة من تدخل أمني وما ترتب عنه من خدش لصورة التعامل الأمني مع الإحتجاجات في شكل غير مشرف فسح المجال للتأويل والإستغلال.
الحاجة إذن ملحة إلى حوار مسؤول يمكن من تدبير الخلافات، ومواجهة القضايا بشكل منسجم مع روح وجوهر الدستور. كما أن البلاد في حاجة إلى نقاش عمومي بناء وممأسس بشكل يخرجه من العشوائية التي يشهدها في شبكات التواصل الإجتماعية ومن بوليميك الفاعلين السياسين الذي بلغ ذروته في العبث. والسؤال هنا عن أهمية الإعلام الرسمي والقنوات التلفزية على الخصوص التي من المفروض فيها أن تنقل النقاش إلى مستوى راقي ومفتوح يساير طموح المرحلة.
إلى جانب الحاجة للحوار والنقاش العمومي تفرض المرحلة التأسيس لنظرة استشرافية بعيدة المدى من قبل المسؤولين، تتجاوز الهاجس الأمني وتتفادى الإعتماد على البسيط من الكليشيهات التي ترى في كل محتج مشروع خائن أو غير مهتم بصورة البلد وبمستقبله.
لقد كان من المفروض مواصلة روح نقاشات مرحلة 2011 التي كانت قد فتحت الأمل كبيرا في تحقيق الإستثناء المغربي المكتمل. وعلى كل فهذا الأمر لم يفت أوانه بعد، غير أنه يتطلب الإنسلاخ عن عقلية الهاجس الأمني والإنطلاق من مقدمات تأخذ بعين الاعتبار خدمة الدولة للمواطنين وليس تدجين المواطنين من أجل استمرار الدولة، لأن هذا الأمر الأخير لا يخدم الدولة ولا يخدم البلد، بل في ثناياه شقوقا قد يتم استغلالها لأغراض غير التي يطمح لها المغرب من بناء وأمن واستقرار.
حكيم بلمداحي.






























