كان رئيس الحكومة منسجما مع منطقه، وهو يصرح بأن الإقتطاع من الأجرة عن يوم الإضراب مذكور في القرآن. عبد الإله بنكيران وهو يلجأ إلى الدين لتبرير فعل مدني، إنما يواصل ممارسة خلطه بين الدين والسياسة، انسجاما مع توجهه الإسلاموي الذي لا يريد أن يقتنع بأن الدستور المغربي كان واضحا في هذا الباب وهو يضع فصلا رفيعا بين الفعل السياسي والحقل الديني، وهذا موضوع آخر ليس مقامه هذه الورقة .
غير أن مسألة اقتطاع يوم الإضراب من الأجرة بدعوى تطبيق مبدأ الأجر مقابل العمل، يبقى على كل حال موضوعا فيه الكثير من النقاش.
منطق المضربين له ما يبرره من كون اللجوء إلى الإضراب هو إكراه وليس اختيارا، بعدما انسد باب الحوار والتفاهم مع الحكومة، وبالتالي تم اللجوء إليه كآلية للدفاع عن الحقوق. كما أن الإضراب حق يخوله الدستور وينص عليه العهد الدولي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية وتؤكد عليه الإتفاقية 87 الصادرة عن منظمة العمل الدولية.
غير أن هذا الحق بالنسبة للمغرب يتطلب قانونا تنظيميا لم يتم إنجازه لحد الآن مما يجعل النص الدستوري في هذا الباب لم يكتمل، وأيضا يجعل في الأمر بعض اللبس في الإقتطاع من الأجر من عدمه.
لكن هناك أيضا منطق الأجر مقابل العمل. هو منطق له ما يبرره، ومعمول به في العديد من البلدان الديموقراطية. مبدأ الأجر مقابل العمل يسير وفق مضمون مفهوم الإضراب في حد ذاته. فالإضراب فعل نضالي بالدرجة الأولى بما أنه امتناع عن العمل لمدة محددة بقصد تحقيق بعض المطالب.
وإذا كان الإضراب فعلا نضاليا له غاياته المتوخاة، فإن اختزاله في الإقتطاع من الأجرة أمر فيه الكثير من الإبتذال. لقد أخطأت الإدارة أولا وهي تلجأ إلى استفسار المضربين عن سبب تغيبهم يوم24 فبراير الماضي، علما بأن قرار الإضراب العام أعلنت عنه النقابات وأصبح معلوما عند الحكومة والإدارات. سلوك الإدارة المذكور فيه تنقيص من حق الإضراب، وفيه أيضا تبخيس للعمل النقابي ويحتمل مزايدة سياسية لا معنى لها.
وحبذا لو أن الأمر وقف عند مستوى الإدارة، ولم يتجاوزه إلى مستوى الموقف الحكومي الذي صرفه رئيس الحكومة وهو يعتبر أن الموظفين لا يقومون بالإضراب وإنما يبحثون عن العطلة والتهرب من العمل. حكم بنكيران لا يخلو من شعبوية وتعنت لا مبرر له، وهو يتخذ من الإستثناء قاعدة محكمة. والخطير أن رئيس الحكومة يواصل لعبة الخطاب الأخلاقوي الذي لا يقوى على التعبير عن جوهر المشكل. قد يكون من بين الموظفين من لا يعرف في الإضراب سوى العطلة، غير أن قرار الإضراب الذي دعت إليه المركزيات النقابية كان مؤسسا له وينبني على شروط منطقية إن لم نقل موضوعية. من هذا المنطلق كان على رئيس الحكومة أن يناقش مضمون مطالب المضربين لا أن يشكك في التزامهم بقواعد الفعل النضالي.
إن أسباب الإضراب موضوعية وعناوينها كثيرة جدا، غير أن عنوانها الرئيس هو خطة الحكومة في إصلاح صناديق التقاعد. لقد اعترف رئيس الحكومة نفسه بكون خطته لإصلاح صناديق التقاعد شبيهة بالعملية الجراحية لتعقدها وأيضا لآثارها الجانبية على الموظفين والمستخدمين. لكن رئيس الحكومة لا يرغب في الإستماع إلى الرأي الآخر لأنه لا يريد أن يعترف بأن إصلاح تلك الصناديق قد يكون بطريقة أخرى غير الحسابات الرقمية البسيطة التي تضر بمصالح فئة صغار الموظفين والمستخدمين.
لا يمكن إذن إخفاء مبررات الإضراب كفعل نقابي، مدني ولم لا سياسي، وبالتالي فالتعامل معه يجب أن يكون من هذا المنطلق، وليس من منطلق الخطاب الأخلاقوي العام الذي هو لعبة يتقنها رئيس الحكومة. لقد كان من المفروض أن يتم فتح الحوار حول المشاكل المطروحة وليس تبخيس الآخر وفعله، واختزال العملية برمتها في جزئيات هامشية كالإقتطاع من الأجر. أما اللجوء إلى التعنت والهروب إلى الأمام فهو أمر قد يؤدي إلى تقويض السلم الإجتماعي وهذا أمر لا يرغب فيه عاقل في هذا البلد.
حكيم بلمداحي






























