لاشك أن الأيام القبلة ، بعد أن تهدأ عاصفة الانتخابات، سيبدأ جرد للحساب السياسي وسط عدد من المكونات السياسية التي نزلت شعبيتها بشكل لافت ، لكنه حساب لن يسلم منه حزب البام رغم تقدمه على صعيد الكم الذي حصده من المقاعد وبوأه المكانة الثانية بعد حزب البيجيدي بفارق مهم سرق منه الرهان السياسي وهو تصدر الانتخابات التي تمكنه دستوريا من تشكيل الحكومة المقبلة .
فحزب الاستقلال الذي سقط جل أعضاء لجنته التنفيذية في الانتخابات الأخيرة ونزلت شعبيته بشكل لافت لا يمكن أن يتغاضى عن الأزمة التي يتخبط فيها منذ مدة نتيجة سياسة متأرجحة لقائده عبد الحميد شباط الذي سيكون ، بلا شك ، كبش الفداء الذي سيضحى به قربانا لجبر الأضرار في المؤتمر الوطني القادم.
ومن جهته فحزب الاتحاد الاشتراكي التي تقهقر بشكل مروع بعد أن كان يتصدر الانتخابات قبل وقت قريب ، فالحزب تعرض لاجتثاث داخلي لأطره وكوادره بعد أن كان معقلا للفلاسفة وعلماء الاجتماع ويضرب به المثل في كونه خزان للمثقفين ، تحول على يد لشكر إلى آلة انتخابية فاشلة ، وهو أول المعنيين اليوم بالنقد الذاتي والتقييم الموضوعي لحالته التنظيمية والسياسية بعيدا عن لغة التبرير السياسي والهروب إلى الأمام.
وإذا كانت هذه الأحزاب وغيرها مطالبة بمراجعة حساباتها السياسية لكونها نزلت شعبيتها بشكل مروع ، فإن حزب الاصالة والمعاصرة ، وإن عرف تقدما على صعيد المقاعد الذي تحصل عليها ، فإنه مع ذلك فشل أهم نقطة استراتيجية في مشروعه وهي توقيف مد الإسلاميين وتحجيم دورهم ومنعهم من التمديد السياسي ، وهي مهمة فشل فيها فشلا ذريعا مما يجعله على محك النقد أكثر من أي حزب آخر، لكونه سيضطر إلى الاصطفاف في المعارضة البرلمانية وهو الذي كان يهيء نفسه لترأس الحكومة وإبعاد بنكيران عن حسابها، وبلا شك سيكون أمام مفترق الطرق كل مسالكها وعرة ، فهو إما أن يسعى إلى الخروج من جبة السلطة ومعالجة علة الوجود التي ظلت تطارده لإكساب المشروعية السياسية والشعبية بعيدا عن شبهة السلطة، وإما أن يظل في نفس المناورات السابقة وهو ما يعطي من جديد للإسلاميين مبرر المظلومية التي تشكل غذاءهم للنفاذ إلى وجدان الشعب، سيما أن بنكيران من عيار ثقيل يعرف كيف يستعين بترسانة من المصطلحات الشعبية التي تخلق وقعا عميقا في وعي الناس.
وإذا قرر البام أن يخرج من جبة السلطة لفائدة نوع من الراديكالية اليسارية، ولو في هيئة اصطلاحية ، فإنه معرض للاهتزاز الداخلي لكونه جمع من الأعيان ما يكفي لخلق رجة داخله ، أما إذا استمر في نفس السياسة السابقة فإنه فاشل لا محالة ولن يستطيع مقارعة الإسلاميين الذين سيستمرون لولايات قادمة، فهو إذن أمام خيارين أحلاهما مرّ كما يقال.
الحالة الممكنة التي يمكن فيها للإسلاميين أن يتراجع نفوذهم هو تقوية جبهة اليساريين والتقدميين ولم لا الإسلاميين الراديكاليين إذا خفّض هؤلاء من شعاراتهم التي تخيف الصف الديمقراطي الحداثي ، ونؤكد على هذا الاختيار لكون البام هو الذي جعل التصويت الأخير ذو طابع إديولوجي وليس سياسي ، وأخفق فيه لكونه لا يتوفر على أي إديولوجية معروفة خلافا لليجيدي الذي عرف كيف يتقن الخطاب الاديولوجي قبل السياسي وقاد البام إلى معترك لا يحسن فيه القتال لكونه معلولا بشهبة الولادة القيصرية.
ألتتبريس.































