أهم ما تردد على لسان الملك في خطاب العرش يوم 29 يوليوز هو أن كل شيء لا يشتغل بشكل طبيعي سوى طرفين: الملك الذي فقد الثقة في النخب السياسية، والبوليس الذي وجد نفسه وجها لوجه مع الشعب نظرا لانسحاب الأحزاب من المسؤولية. والحل الذي يقترحه الملك هو ربط المسؤولية بالمحاسبة كما ينص على ذلك الدستور وتفعيل مبدأ عدم الافلات من العقاب .
وفيما يتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة فقد بات واضحا أن الملك هو صاحب السلطة الدستورية والدينية بالمغرب فهو المسؤول الأول عن إدارة الدولة وهو الذي يتولى تحديد التوجهات الاستراتيجية للحكم وله اليد الطولى في تدبير وتنفيذ المشاريع الكبرى للدولة..
وفي هذا الصدد فالدكتور محمد منار الباسك قال كلاما معقولا لما اعتبر بأن الجهة التي يتطلب منها تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة هي المؤسسة الملكية قبل غيرها، بل في غياب ذلك يصبح الحديث عن ربط المسؤولية بالمحاسبة مجرد هروب إلى الأمام وتنصل من المسؤولية، ويضيف نفس الباحث مؤكدا قد يقول قائل أن الأنظمة الملكية بما في ذلك ما عرفته التجربة الأوروبية تبعد الملك عن أي محاسبة.. ولكن الملكيات الغربية انتهت إلى حل مسألة ربط المسؤولية بالمحاسبة بانسحاب الملوك من المسؤولية الفعلية في الحكم، ويخلص محمد منار إلى نتيجة منطقية للغاية قائلا هناك حلان لا ثالث لهما: إما المسؤولية مع ما تقتضيه من محاسبة أو الابتعاد عن المسؤولية لإسقاط المحاسبة، أما التمسك بالمسؤولية مع عدم المحاسبة فإنه الاستبداد في أحلك صوره رغم كل محاولات التعتيم والتمويه…
فالملكية في المغرب أصبحت موضوع نقد، غالبا ما يتم بطريقة غير مباشرة من خلال استهداف الشعب لبعض الأطراف المقربة سياسيا إلى محيطها ، وهذا ما حدث بالريف حيث هوجم البام شر هجوم لدرجة أنه احتارت قيادته بين الاصطفاف بجانب الشعب لاحتواء الغضب أو التمترس خلف الدولة، وهو ما وضعها في موقع لا يحسد عليها لدرجة أن الملك في خطاب العرش أومأ إليهم بأنهم يختبؤون وراء القصر الملكي. والسؤال المعقول، ألم يخرجوا من نفس المحيط؟ الم يكونوا فوطوكوبي ورجال الثقة للملكية بالمنطقة حتى كادت الصور أن تتماهى؟ فهم ليسوا مجرد “جرذان” استبد بهم الخوف واحتموا بالقصر من شدة الضربات الموجهة لهم، وكان عليهم أن يتصرفوا تصرفا سياسيا باعتبارهم الحزب الذي يسوق نفسه بأنه الأول والمكتسح في الحسيمة؟ وعلى قادته أن يعترفوا بأنهم خالفوا الموعد، وأنا هنا لا أكيل الاتهام للآخرين لكي أبرئ نفسي وعموم اليسار بالحسيمة من المسؤولية علما أن هذا الأخير لا يتحمل أي مسؤولية في مؤسسة منتخبة أو غيرها بالمنطقة.
وأنا على يقين أن الباحثين وحدهم من يستطيع فهم ما جرى ويجري بالحسيمة من تناقضات وانفجار للأحداث، فالسياسي لا يرى في تلك الأحداث سوى مظهرها الاحتجاجي الصرف التي تستوجب تعميقه لمنازلة النظام مهما كانت التكلفة في مدينة بتعداد سكانها الذي لا يتعدى بالكاد 62 ألف نسمة وأقل من 400 ألف نسمة إقليميا، لا معامل انتاج حقيقية ولا طبقة عاملة منظمة لا بترول ولا غاز ولا أي مورد طبيعي له قيمة يمكن أن يحقق الاكتفاء الذاتي للمنطقة، مدينة خدماتية باقتصاد غير منظم تعيش على إنتاج وحيد هو السمك وموارد سياحية غير مستغلة استغلال أمثل.. مجمل حاجيات المنطقة تأتيه من مناطق ومدن أخرى..تنتعش المدينة خلال الصيف ويشكل المهاجرون المنحدرين من المنطقة أهم عامل لهذا الانتعاش..هل يتصور السياسي أن تكون المنطقة موضوع صراع طبقي وسياسي بارز المعالم بالشكل الذي يمكن أن تقوم به مدن أخرى مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة وفاس وما إلى ذلك من مدن لها وزنها الاقتصادي والسياسي.
الاحتجاجات التي عرفتها الحسيمة كشفت عن معطى سوسيولوجي خطير جدا، هو غياب النخب السياسية والفكرية والاقتصادية وليس الحزبية فقط ، قد يكون هناك مثقفين كأفراد ولم يتبلور الخطاب الثقافي إلى نخبة ثقافية ، بالمقابل استغربنا بأن القبيلة لم تمت وأن التحديث مر من هنا فقط، وكان سطحي لكون المنطقة عانت في تاريخها صراعات ضارية مع المخزن الذي تعمد تهميشها وفصلها عن العمق المغربي والخارجي وعليه أن يقدم حساب التنمية والسياسة الذي هو دين في ذمة الدولة. والغريب في الأمر قد تجد من يستهويه هذا الواقع المتعفن ويحاول عبثا البحث عن خيارات راديكالية من داخل الوعي القبلي وإن تمظهر بالحداثة..
إننا أمام مفترق طرق حاسمة ليس هناك من خيار آخر سوى النقاش العمومي بين مختلف المكونات السياسية والفكرية والمدنية على اختلافها، ومن يتهرب من النقاش العمومي مع أطراف مختلفة في تقديراتها ومواقفها إنما يريد بقاء القبيلة واللعب على وترها، وإن شئنا الدقة أكثر، فالسياسة لا تمارس لوجه الله أو بدافع البطولة مع شيء من الإشاعة المغرضة، وإن صادفتم شخصا أو مجموعة من هذا الصنف في الطريق إِلعَنوهم لأن تفاهتهم قد تجر المنطقة إلى جحيم لا يطاق ، فالسياسة والنضال مصلحة لا يمكن أن تكون لصالح الأغلبية إلا إذا كان وراءها نخب مختلفة وقادرة على التصارع من أجل ذلك بمنطقة الحوار الديمقراطي والنقد السياسي وليس الهجوم والتهجم والتخوين، فالطريق لخلاص المعتقلين وترتيب الصراع السياسي يبدأ من هذا الطريق الواضح، ومن يريد أن يظل في مسالك الجهلاء فنهايته حتما وشيكة لأنه يجاري التيار ولا يسأل عن المآل.
اللهم أني بلغت، على الرسل الناعية أن تدفن أوهامها في رمل أقرب شاطئ وتنسى نزواتها الذاتية وإلى الأبد.
أبو علي































