أمين الفياض
بين زرقة المتوسط وتلال الريف التي تنحدر نحو الساحل، تشكلت علاقة محمد أوشان بالمكان في صمتٍ تدريجي. كانت جزيرة النكور تلوح في الأفق كعلامة ثابتة، فيما تستقر أطلال المزمة في خلفية المشهد كأنها جزء من الطبيعة نفسها. في هذا التداخل بين البحر والحجر نما وعيه الأول، لا بوصفه فنانا بعد، بل كعينٍ تتعلم التقاط التفاصيل. لم يكن المكان مجرد إطار للحياة اليومية، بل حضورا متواصلا يرسخ في داخله حساسية خاصة تجاه المعالم والآثار.
في طفولته، وجد في الطين وسيلته الأقرب إلى الفهم. كان يعيد تشكيل البيوت والأسوار كما يراها، محاولا أن يمسك بالهيئة قبل أن تتبدد في الذاكرة. لم يكن يدرك أن تلك المحاولات البسيطة تخبئ نزوعا مبكرا إلى إعادة البناء. ومع مرور الوقت، بدأ يستوعب أن ما يحيط به ليس خرابا عابرا، بل شواهد على تاريخ طويل تعاقبت فيه حضارات وأحداث. هكذا تحول اللعب إلى تمرين خفي على استعادة الشكل والمعنى.
تعمق هذا التحول حين صار ينظر إلى جزيرة النكور باعتبارها أكثر من كتلة صخرية معزولة. اكتشف حمولة المكان التاريخية، وفهم أن المشهد الطبيعي قد يخفي تعقيدات سياسية ووقائع لم تحسم بعد. منذ تلك اللحظة، لم يعد البحر مجرد أفق مفتوح، بل سؤالا عن الانتماء والذاكرة. أخذ يقرأ ويبحث، محاولا أن يضع ما يراه في سياقه، وأن يربط بين الصورة الظاهرة وما يتوارى خلفها من تاريخ.
حين التحق بنادي البحر الأبيض المتوسط، انفتح على فضاءات مهنية وثقافية جديدة. هناك احتك بزوار من خلفيات مختلفة، ولاحظ كيف يثير التراث المغربي فضولهم وإعجابهم. في العروض والأنشطة ذات الطابع المحلي، أدرك أن الحرفة والمعلمة ليستا مجرد عناصر فولكلورية، بل لغة بصرية قادرة على خلق حوار. تلك التجربة جعلته يعيد التفكير في قيمة ما نشأ بينه، وفي إمكانية تقديمه بصورة معاصرة.
من هذا التقاطع بين الوعي بالمكان والخبرة المهنية، تبلورت فكرته في إنجاز مجسمات مصغرة للمعالم التاريخية. لم يكن الهدف استنساخا تقنيا بقدر ما كان استعادة لروح المكان في حجم يسمح بالتأمل. أراد أن يمنح المتلقي فرصة الاقتراب من التفاصيل، وأن يحول المعلمة البعيدة إلى حضور ملموس. كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها تتطلب دقة وصبرا ومعرفة بتاريخ كل موقع يعيد بناءه.
في ورشة متواضعة، بدأ الاشتغال على نماذج من التراب والخشب والحجر والقصب، مستعيدا منازل الريف التقليدية وجزيرة النكور وغيرها من المواقع. كان يوازن بين الأمانة التاريخية ولمسته الخاصة، بحيث تظل المجسمات وفية لأصلها دون أن تفقد حسها الفني. ومع عرض أعماله في فضاءات سياحية وثقافية، وجد صدى لدى جمهور رأى فيها مدخلًا لفهم تاريخ المنطقة. هكذا تحولت تجربته إلى مسار متكامل، يربط بين الفن والذاكرة في صيغة هادئة ومتدرجة.































