أمين الفياض
في مدينة تطوان، حيث ينساب الضوء على الجدران البيضاء مثل صلاةٍ سرية، ولدت نسرين الشودري وفي قلبها ميل مبكر إلى اللون. لم تكن الأصباغ عندها مجرد أدوات، بل لغة ثانية تتقنها قبل الحروف. منذ طفولتها، كانت ترى العالم مساحاتٍ قابلة لإعادة التشكيل، وكانت الأزقة العتيقة أول مرسمٍ مفتوحٍ لخيالها، حيث تتعانق الظلال مع زرقة السماء وتتشكل البدايات الأولى لوعيٍ جمالي سيكبر معها عاما بعد عام.
التحقت نسرين بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتطوان، وتخرجت سنة 1998، مسلحة برؤية تجمع بين التكوين الأكاديمي والحدس الحر. هناك، صقلت علاقتها بالخط والكتلة والفراغ، واختبرت النحت كما اختبرت الرسم، لتؤمن أن الفن ليس سطحا مستويا فقط، بل بعد ثالث يتنفس. كانت سنوات الدراسة مرحلة تأسيس عميقة، رسخت لديها قناعة أن الفنان الحقيقي لا يكرر العالم، بل يعيد اقتراحه بلغةٍ أكثر شفافية وصدقا وتأملا.
قدمت الشودري أعمالها في عدد من المعارض الفردية والجماعية داخل المغرب وخارجه، متخذة من الرسم التشكيلي، النحت، وفن الفيديو مجالات لإبداعها. في لوحاتها، يصبح اللون لغة والفراغ مسرحا للتأمل، إذ ترتسم خطوط التجريد لتغدو مساحة للحوار، مستوحاة من الطبيعة ومن العوالم الروحية. كل عمل من أعمالها هو بحث دائم عن التوازن بين الشكل والجوهر، بين التقنية والدفق العاطفي، ليجعل من الفن رحلة حسية، حيث تتقاطع الرؤية الفردية مع إحساس المشاهد، ويصبح التأمل جزء من التجربة البصرية نفسها.
انفتحت تجربتها على ورشات للنحت وفن الفيديو مع فنانين من إسبانيا وفرنسا، فوسعت أفقها التقني والجمالي، ونسجت حوارا بين الحس المغربي والتجارب الأوروبية. لم تنغلق داخل مرسمها، بل جعلت من الفن جسرا للتبادل والتثاقف. هذا البعد التشاركي منح أعمالها نفسا متجددا، حيث يتجاور المحلي مع الكوني، وتتقاطع التجربة الذاتية مع أسئلة الإنسان الكبرى حول الجمال والمعنى والوجود.
إلى جانب مسارها الإبداعي، اشتغلت نسرين الشودري أستاذة للفن التشكيلي، وأشرفت على ورشات للرسم والصباغة لفائدة الأطفال والشباب في تطوان، إيمانا منها بأن الفن تربية قبل أن يكون عرضا. كما تولت إدارة قاعة العروض وورشة “برتوتشي”، وشغلت منصب نائبة رئيس الجمعية المغربية للثقافة والفنون، مساهمةً في تنشيط الحياة الثقافية المحلية بروح مبادرة ومسؤولية جماعية واضحة المعالم.
وتوجت هذا المسار بتوليها إدارة المهرجان الدولي للفن التشكيلي بتطوان، الذي أصبح موعدا سنويا يجمع فنانين من المغرب وخارجه تحت شعار يجعل الفن متعة للجميع. عبر هذا المهرجان، لم تعد نسرين فنانة تكتفي بلوحتها، بل صارت مهندسة فضاء ثقافي كامل، تفتح فيه الأبواب للحوارات والورشات والندوات، لتؤكد أن الإبداع حين يتقاسم يكبر، وأن تطوان قادرة دائما على أن تكون عاصمة للضوء واللون والدهشة.































