ذ. محمد العطلاتي
بمناسبة انطلاق الموسم الدراسي لسنة 2000 وجه الملك محمد السادس إلى المعنيين بالتعليم رسالة جاء فيها، و بصريح العبارة، أنه ” لا ينبغي أن نُغفل المواعيد و الاستحقاقات الأخرى المتعلقة بإقرار اللامركزية و اللاتمركز في قطاع التربية و التكوين، وضمان تسيير مُحْكم لمُختلِف المؤسسات التعليمية، وتفعيل دور آباء و أولياء التلاميذ في تدبير الحياة المدرسية بوصفهم شركاء أساسيين في تعليم و تربية أبنائهم على امتداد مسارهم الدراسي.”
و للمفارقة “الزمنية”، فقد تمت الاستعانة بهذه الفقرة من الرسالة الملكية من أجل ترصيع و تصديرِ التقرير الذي أعده المجلس الأعلى للتربية و التكوين سنة 2019 حول موضوع (جمعيات آباء و أمهات و أولياء التلميذات و التلاميذ شريك أساس في تحقيق مدرسة الإنصاف و الجودة و الارتقاء)، وهو ما لم يتم إلا بعد مرور حوالي عقدين من الزمن على تاريخ توجيه الرسالة الملكية !
القضــايا المتعلقة بواقع التعليم العمومي بالمغرب و سبل إنقاذه، قضايا يجب أن تستأثر بجهود الدولة و باهتمام كل طوائف المجتمعين المدني و السياسي، و مادام الأمر يتعلق بالحديث عن واقع التربية و التعليم العمومي ببلادنا، و بما يعيشه هذا الواقع من نكوص بَيِّن و تخلفٍ بادٍ، انتهى به إلى الدرك الأدنى من الانحدار، فقد رأينا أن مظاهر أزمة التعليم العمومي لا تقتصر على باب دون آخر، و لا تقف عند مخرج دون غيره، بل هي مظاهر فساد بنيوي، ابتداء بالتعليم الابتدائي و انتهاءً بالتعليم الجامعي، و لعلك إذا عمدت إلى إجراء مقارنة حسابية بين حجم الإنفاق العمومي على مسالك التعليم و بين ما يجنيه البلد وراء هذا الإنفاق، من مكاسب تقنية أو علمية، أو من تضخيم لأعداد الكفاءات الضرورية للإقلاع الاقتصادي، لانتهيت إلى خلاصة أكيدة هي انعدام التناسب بين النفقة و بين المردودية. وهذا لا يدل إلا على شيء واحد هو : فشل السياسة التعليمية المنتهجة.
لعل الحديث يطول، ونحن نستعرض أوجه القصور التي تعتري نظامنا التعليمي، لكننا سنقف، في هذا “اللفظ المفيد”، على مسألة قَلَّ الانتباهُ لها بين عامة الناس و جمهورهم، و هي ما تعلق بدور الهيئات المسماة “جمعيات آباء و أمهات و أولياء التلميذات و التلاميذ”. ففي معظم التجارب الدولية التي أشركت جمعيات بهذا الاسم، يلاحظ أن جمعيات الآباء و الأمهات تضطلع بأدوار رائدة تتراوح في مجملها بين “المشاركة في بلورة و تطوير المشروع البيداغوجي للمدرسة وتتبع تنفيذه” و “التداول في القضايا المتعلقة بالمردودية التربوية للتلاميذ مع اقتراح الحلول” و بين “تعبئة المدرسة و المجتمع المحلي للمشاركة في تحسين جودة التربية” مع “اقتراح سبل التطوير لدى السلطات المختصة في القضايا المدرسية”، بل إن أدوار هذه المؤسسات الجمعياتية قد تبلغ درجات عليا في المساهمة “بوضع برامج في التوجيه لفائدة الآباء قصد تمكينهم من فهم أفضل لدور ممثلي الآباء و للمدرسة”.
لكن واقع جمعيات آباء و أولياء التلاميذ في حالة المغرب، لا يبدو أنها تضطلع بأي دور من هذه الأدوار المنيرة، و تكتفي فقط، بـــ”تسجيل حضورها” بداية كل دخول مدرسي لهدف واحد هو “استخلاص واجبات الانخراط”، من جيوب الآباء، في “جمعية” لا يعرف شيء عن طبيعتها و لا عن طبيعة الأعضاء المفترضين في مكتبها الإفتراضي، كما لا يعلم شيء عن قانونها الأساسي. ما يطرح تساؤلات قانونية تحتاج إجابة واضحة، فهل انخراط الآباء في “جمعية للآباء” يعتبر تصرفا إلزاميا يفرضه قانون ما؟ و هل المبلغ النقدي المدفوع، مقابل الانخراط الإلزامي، يحدده نص تشريعي أو إداري؟ وهل تقدم مكاتب هذه الجمعيات الصورية، لمنخرطيها، تقارير مالية عن أوجه صرف الأموال المحصل عليها ؟ أم أنها تدخر تلك المبالغ في حساب من الحسابات؟؟
لقد أشار تقرير المجلس الأعلى للتربية إلى بعض هذه المسائل، إذ طالب بإعادة النظر “في وضع الجمعيات من حيث التنظيم أو الالتزام بمتطلبات توسيع التمثيلية” كما اعتبر التقرير ذاته أنه “ينبغي إعادة النظر في الإطار القانوني المنظم لعمل هذه الجمعيات” كما رأى أنه “يتعين حث الإدارة التربوية على قيام هذه الجمعيات بتجديد هياكلها المسيرة كلما استنفذت مدة ولايتها المحددة “، بل إن التقرير، اعتبر “أن هذه الجمعيات مدعوة لاحترام وتيرة عقد الجموع العامة السنوية وتقديم تقارير الأنشطة بشكل مُنتظم و مستوْفٍ”
لهذا، و الحالة ما ذكر، يحق للآباء و الأمهات التساؤل بصوت جهور :”أين هي جمعيات آباء التلاميذ المزعومة ؟”































