يجب أن لا يضيق قلب أحد من أجواء الشك المتصاعد في كل مبادرة تطرح في الساحة سواء من طرف الدولة أو الأحزاب أو الجمعيات أو الأفراد حتى …لان الشك أصبح جزء من الحياة اليومية للمواطن بسبب تراكمات خطاب الكذب الذي أفقد الثقة في نفوس المواطنين، وهي ظاهرة ليست محصورة في المغرب فحسب، بل هي موجة عالمية وتتفاوت من دولة إلى أخرى ومن شعب لآخر، ومع ذلك فالمشترك بين الجميع هو ظاهرة اهتزاز منسوب الثقة. ولما كانت الأمور على هذا الحال من التعقيد، فلا يجب على الدولة المغربية أن تنتظر مباركة خطواتها من طرف الشعب بسهولة وهي تتأهب للقيام بحملة تلقيح ، هي أصلا تكتنفها حساسية كبيرة حول جدوى ومصداقية المبادرة على المستوى العلمي والطبي، خصوصا أن الشك يصدر حتى من طرف ذوي الاختصاص وأحرى المواطن العادي. ما يهمنا هو هذا الشك وغياب الثقة أكثر من تحليل جدوى التلقيح المنتظر، فحتى صاحب مقولة أنا أفكر إذن أنا موجود لما سُؤل عن طبيعة الشك الذي يخامره لم يجد بدا من القول أنه ( أي الشك ) ضرب من ضروب التفكير، فما دام أنني أشك إذن أنا أفكر حسب الفيلسوف ديكارت، لكن السؤال الأهم هو نهاية تفكيره ومآل الأطروحة بأكملها التي تدور على سؤال مركزي وهو من الضامن أنك تشك، وأن الشك ضرب من ضروب التفكير، أنتهى إلى القول أن الله هو الضامن. ومادام أن الموضوع المطروح اليوم حول التلقيح من الوباء يعد موضوع علمي، فلا بأس أن نعرج ماذا يقول بعض العلماء والفلاسفة عن النظريات العلمية، فهذا كارل بوبكر POPPER 1902-1994) ) يوصي في نظريته على عدم البرهنة على صحة النتائج العلمية، لأن ما يعتبر صحيحا اليوم قد يغدو متجاوزا غدا، وهكذا…، فليس هناك نظرية علمية صحيحة وأخرى خاطئة بل هناك نظرية علمية مناسبة أو متوافقة وأخرى متجاوزة ، ويعتقد نفس العالم أن نظريات ماركس وفرويد وأدلر وغيرهم لها سلطة تفسيرية قوية وهي منطقة ضعفها، على خلاف المجال العلمي المحكوم دائما ، في نظر العالم المذكور ، بما يسميه بقابلية الدحض ، فكل النظريات التي لا تتوفر فيها هذه القابلية ليست نظريات علمية. وبالنظر للجدل المتصاعد في مجال البحث عن التلقيح للقضاء على الوباء ، فلا زلنا نعاين نوع من الخلافات والشكوك وعدم الثقة في المنتوجات المطروحة من طرف الشركات العالمية في ميدان الطب، ما ينتج عنه بالنتيجة ضرورة أخذ الحذر والحيطة وعدم التسرع في الشروع في ممارسات لا يعرف أحد نتائجها، طالما أنه لم يثبت علميا صحة هذا التلقيح أو ذلك، لأنه في الميدان العلمي لما يصل الاكتشاف ذروته ينتهي الجدل ويُطوى النقاش وتقفل معها صفحة الشكوك ويستعيد الانسان عافيته وقدرته على السيطرة للتحكم في مجرى الحياة. ونعود إلى مشكلة الشك ، فهناك فروقات جوهرية بين أنماط الشعوب في التعاطي مع معضلة الشك، وهنا لابد من الاستعانة مرة أخرى بصاحب العقلانية النقدية كارل بوبكر الذي يعتبر ان النقد الممارس في الميدان العلمي والاجتماعي يشكل المبدأ الأساسي للتقدمـ ويميز في ذلك بين نوعين من المجتمعات : المجتمعات المغلقة وهي مجتمعات لها كثافة عالية في مجال الخيال والتخيل تصل درجة البحث عن إنزال الجنة فوق الأرض ، بالنسبة للفيلسوف المذكور، فالمطلوب هو سياسة اجتماعية نقدية للتقليل من المساوئ بدل البحث عن السعادة المتخيلة ، على خلاف المجتمعات المفتوحة التي تنحدر من تيمات يونانية التي أصلت لنوع من الحوار المفتوح من أجل الاقتراب من الحقيقة، فلم تكن هناك حروب للأديان والحضارات كما يسوقها اليوم بعض اللبراليين المتوحشين الذين يعبرون عن معاداتهم للأجانب والأديان وخصوصا الدين الإسلامي ولو بطريقة مشفرة وغير معلنة صراحة كما يفعل العديد من الشعوبيين وخصوصا الرئيس الفرنسي ، وهي إحدى مساوئ ونتائج الوباء الذي أفرز عنصرية مقيتة بسبب الشك في كل شيء عبر العودة إلى نمط من المجتمعات المغلقة، وهي نوع من سياسة إقبار كل مكاسب فكر الانوار حول التقدم الحضاري الذي أصلته بشكل مستنيرثلة من العلماء والفلاسفة والمؤرخين..ما تزال أفكارهم رائجة ومتداولة ..تلك الأفكار هي التي وفرت التربة لاكتشاف السيارة والطائرة ومختلف الاكتشافات فلم يحدث بعد أي اكتشاف جديد في هذا المجال ، فرون جروفر الحالية هي مجرد تجديد لتلك السيارة البسيطة التي اكتشفت أول مرة ، نفس الشيء حدث في الميدان الطبي ولا زال العالم يقبض أنفاسه لانتظار اكتشاف لقاء يمكن أن يحدث ثورة أشبه بثورة الأسبرين ، فالانوار هي هذا الابداع العام وهي كذلك هذه الروح الفكرية التي كرست التسامح بل والاعتراف بحقوق المتدينين وغير المتدينين للعيش معا في مجتمع تسوده العدالة والديمقراطية. ومع اهتزاز روح الانوار عادت النظريات التشكيكية في غرس بذور التفرقة والعجز ونشر الشك المفرط في كل شيء زادته مواقع التواصل الاجتماعي احتدادا لدرجة يصعب على المثقف وأحرى المواطن أن يتسلح بالثبات والنقد في مواجهة موجة الشك التي أصبحت جزء من الحياة اليومية. وعلى هذا الأساس فالمطروح هو بلورة سياسة اجتماعية واضحة المعالم تساهم في التخفيف من المساوئ والحد من الانهيارات المعنوية ، سياسة اجتماعية تضع القطائع الضرورية مع كل أشكال التسلط والريع والانتهازية وتنطلق نحو بناء إنسان الغد، ما عدا ذلك فكل ما هو مطروح اليوم لا يعدو أن يكون محاولات لترميم البناءات المخربة ، بالحوار المفتوح والصادق وحده يمكن أن نصل إلى أرضية لتداول المعلومات والأفكار الصحيحة ، وهو السبيل للحد من الشكوك المفرطة وأول خطوة في الاتجاه الصحيح هو أن نردد مع بول ريكور عبارته الشهيرة : التفسير أكثر من أجل التوضيح أكثر.
ألتبريس































