للذين لا يعرفون من يكون هذا المسمى بالفيلسوف المغربي طه ع الرحمان الذي أصدر أخيرا كتاب جديد تحت عنوان ” المفاهيم الأخلاقية بين الائتمانية والعلمانية “، هو ليس إلا متكلم لاهويتي يحاول عبثا مواصلة مشروع كان قد بناه على منهجية معاكسة الراحل محمد عابد الجابري. ويأتي هذا الكتاب بعد سكوت مطبق للباحث المتشبع من مفردات الزاوية البوتشيشية وبمنحاها الصوفي السني ، أمام هول التحولات الفكرية التي هزت كل الأطاريح ليستيقظ أخيرا على هوى فكرة يتيمة هي تكرار ما ألفناه من تبجيل له للتراث الكلامي للمتكلم الغزالي الذي رفع من شأنه في مقابل الحط من فيلسوف قرطبة ابن رشد الذي قال عنه أن أفكاره مفيدة للغرب وغير مفيدة لنا دون أن يكترث بالسؤال كيف يمكن لمفكر منا أن يكون مفيدا لغيرنا ولا يكون مفيدا لنا . الرجل جاء أخيرا، بعد أن سكت دهرا، لكي يقول لنا أن العلمانية فشلت وأن تقليد الغرب انتهى إلى الفشل الذريع وأن الحل يكمن فيما أسماه “بالأيْمَنة” وأن الدين شيء فطري ومتأصل في الذات الإنسانية وهي أساس الأخلاق. مشكلة هذا الباحث أنه بنى كل مشروعه على معاكسة مشروع الجابري محمد عابد بل يمكن القول أن مشروعه ليس سوى مشروع الجابري بالمقلوب ، بل يمكن القول أنه ذهب ضحية الجابري في معاكسته في كل شيء حيث الأخير في تقسيمه للعقل العربي ، وهو تقسيم مثير لجدل لا يتوقف ، البرهان والبيان والعرفان فجاء طه عبد الرحمان وقدم تقسيما معاكسا وفق الخطاطة التالية : العقل المجرد والعقل المسدد والعقل المؤيد .. ويبدو أن الباحث في هذا الإصدار الجديد جاء فقط ليقول لنا أن الحل في الأيمنة سيرا على مجاراته لنهج قلب المفاهيم : الأيمنة / العلمنة وهي ليست إلا تكرار لمفهوم تقليدي كان قد روجه أحد منظري التيارات الإسلامية الراحل ع السلام ياسين حول ما أسماه بأسلمة الحداثة ضد على شعار السلفية المغربية الأصيلة : تحديث الإسلام. ولعل المثير في الكتاب تشبعه بالمبدأ الأخلاقي والتأكيد على أن الدين شيء فطري في الانسان وأن التوحيد أساس الوجود الإنساني، ودون الشك في مرامي هذا الخطاب يمكن أن نتساءل مع الباحث كيف أن شعب الاسكيمو مثلا لم يولدوا على هذه الفطرة وهم سكان يسكنون شمال الكرة الأرضية يعتقدون أن أصل الانسان هو جوف الأرض وهي مآله ولكما كان حضه في العودة إلى أعماق هذا الجوف كان مصيره الفردوس والجنة دون أن يخطر في بالهم وجود الاله الواحد ، فما ذنب هؤلاء أن يولدوا على غير الفطرة التي يدعي الباحث أن الانسان يولد عليها وهي حسبه ” فطرة الايمان “. إن ما يمكن قوله على منهجية الباحث وهو متكلم سني يدعي أنه ينظر لمواجهة الأفكار المتشددة يسقط من حيث لا يدري في أرضيتها خصوصا أنه يستعين بالتأويل الذي لحق بالنص القرآني عقب الفقه الذي تبلور بعد القرن الثاني والثالث الهجري. إن الرجل لا زال يواجه مفكرا غير موجود وهو الجابري الذي شكل غيابه ضربة قاضية لمشروعه الذي بناه على العكس لكل ما يأتي ، ففي مقابل مغالاة الجابري لفكر الرشدي الذي رفعه إلى العليين واعتبره الحل الجذري الوحيد لمشكلة الأمة يتخندق طه عبد الرحمان في النقيض له عبر الحط من قيمة هذا الفيلسوف وإنزاله منزلة المقلد الأعمى للفكر الاريسطي ، وبين هذا وذلك تضيع فرصة التأمل الفلسفي في المغرب في لحظة ما أحوجنا إلى نشر التنوير بدل حشو جماجم الناس بالمغالطات واغتصاب الغوغاء اديولوجيا لفائدة الظلام !.
ألتبريس































