رغم أن وجه الانسان هو اللاقدرية كما يقول بيار جوزاف برودون، وهو تعبير جليل أن نقول ” لا ” لتاريخ مسطر من طرف القوى المهيمنة ، إنه نوع من الاحتقار الخفي لعبودية القرن الواحد والعشرين الذي يجعلنا نردد كالببغاء شعارات معاكسة لنا من حيث لا ندري، ومن غرائب الشعب أن يظل يواجه الحيف الاجتماعي بأسلحة أشبه بأنشودة تغرد ضده وهو ما يحدث هذه الأيام ونحن نحتفي باليوم العالمي لحقوق الانسان الذي داسه الامبرياليون بأحذيتهم ونحن لا زلنا نعتقد أن هناك مثال حقوقي له جاذبية وقوة على إسكات غطرسة الأعداء. ولطالما اعتبر يوم الإعلان العالمي لحقوق الانسان، بجاذبيته وقوته الأخلاقية البيضاء، لحظة للنضال ضد التسلط واحتكار القوة والمطالبة بالمساواة ونشدان العدالة المنصفة، لكن بين الشعار وما يحمله من مُثُل وبين الواقع الذي يسفه الحقيقة المزيفة، شتان بين المستويين، وصار السؤال المؤرق الذي لم يخطر على بال الجماجم المحشوة بقلة المعرفة أو بالجهالة ،هل لا زال للشعار من معنى في سياق ما تعرض له من تلطيخ لهذه الوثيقة التي قدمت ما بعد الحرب العالمية الثانية كتسوية لإنقاذ ما تبقى من كرامة البشرية التي تعرضت لأذى إنساني لا ينمحي أبدا من ذاكرة الشعوب؟ ليس أمام الشعوب سوى الاحتماء بالنضال المنظم الطويل المدى الذي بدأه أبطال ضحوا من أجل وحدة الصف للقضاء على الفقر ونكران العدالة ومن أجل فرض سيادة الشعب باعتباره صاحب السلطة في تقرير مصيره، إنه لمن المؤسف أن نرى الجمهور وقد مزقته الانقسامات بعدما أفنى الآخرون حياتهم لتوحيد الشعب وتوجيه معاركه ضد أعدائه. ولعله من بين الأسباب التي جعلت هذا النضال يعرف نوع من الأفول هو بروز نضال غير منظم يقوده ما يسمى بالناشطين ذات الأصل الغامض فهي مجرد نوع من الزهو بالفحولة المليئة بالشتيمة في حق تراث الآخرين الذين أصلوا لنضال متجذر في التنظيم السياسي والنقابي والحقوقي. ولمن لا يعرف أصل كلمة الناشط ، فهي برزت على السطح في إطار الحملة المكثفة ضد انهيار ما يسمى بالمعسكر الشرقي، وجاءت إلى الوجود وتألقت بكل جاذبية بهدف تشويه سمعة اليسار بعد تصاعد خطاب موت الاديولوجية ونهاية التاريخ. وقد رددها الناس للسماح لراع من الرعاة وعبادة أرباب غالبا ما تخذل عبّادها كما يقول إدوارد سعيد في كتابه المثقفون والسلطة . لقد تزامنت هذه الموضة بالاحتفال ببعض الوثائق الحقوقية مع صعود لغة النشطاء الذين ضربوا عرض الحائط تقاليد نضالية عريقة لليسار كان بالإمكان الاستفادة منها، في مقابل ذلك أوحت لهم نشوة الزهو بالفحولة بإمكانية تحقيق أعمال جليلة في وقت قياسي، فلا هم حققوا هذه الاعمال ولا هم تركوا مسار التاريخ يشق طريقه باصرار، فتصاعدت لغة الهاشتاجات والعرائض وتنشيط النقاشات عبر الانترنيت، رغم أهمية ذلك، فنقصها المعيب يكمن عندما تصبح هذه الممارسة هي الأفق النهائي للالتزام السياسي. إن الذي زاد في اختلال موازين القوى هو غياب الوعي بالقوة على إحداث الانتفاضة في ذهن التنظيمات السياسية التي كان عليها أن تشطب على كلمة النشطاء، في مقابل صعود الفكرة ” النشطاء” وهي كلمة غامضة، لا تعدو أن تكون حالة مزاجية لفحولة طائشة، أكثر منه علامة على تنوع حقل الطيف السياسي والفكري، هؤلاء الذين اعتبروا التنظيم السياسي والنقابي نوع من الشؤم وينتشون بعزلتهم وهامشيتهم ويعتبرون ذلك علامة على النبل والاعتداد بالفضيلة. إن الاحتفال باليوم العالمي هو مناسبة لمواجهة التسلط، وهذه قضية لا يتجادل فيها إثنان، بل المشكلة في اعتبار هذه الإحالة كمصدر للقوة وهو ما يجعلها نوع هذيان واهم، لأنه لا يمكن البناء على مفاهيم تمرغت في وحل الدماء التي سالت باسم هذه الشرعة وتحت ذريعتها خيضت حروبا همجية لفرض ما يسمى بالسلام العالمي بالقوة وليس بالقانون الدولي المزعوم.
التبريس.































