مصطلح ” لحريك ” صار عبارة عادية وسط الشباب والنساء وتنفيذه يبقى مرهونا بالزمن
فقدت مدينة الحسيمة الكثير من بريقها، وصارت الحياة فيها ثقيلة جدا، في حين لم يجد الكثيرون من أبنائها، من تفسير لمدينة لم تعد عقارب تنميتها تتحرك. ولم يعد الزخم التاريخي الذي نقشته مدينة الحسيمة في محطات عديدة من تاريخ المغرب، يساوي شيئا أمام حالات الإفلاس والركود الاقتصادي والتجاري الذي تعيشه المنطقة. فحال المدينة اليوم جعل الكثير من أبنائها أوممن تربوا في حضنها يأسفون عن واقعها، ومنهم من هاجرها دون رجعة، نحو بعض المدن الشمالية، خاصة طنجة، فيما رحل شبابها وأطفالها بل ونساؤها نحو أوربا بنسب لم يسبق لها مثيل. ولاتطيق فئة عريضة من شباب الحسيمة العيش فيها لتدهور الأوضاع وانسداد الآفاق وانحسار فرص الشغل، وتوالي النكبات والأزمات بعد تسعينيات القرن الماضي. وتزداد نفسية شباب الحسيمة سوءا كل يوم، ولاجهود تبذل لانتشاله من “حفر الفراغ والبطالة والضياع “. ويصبح الشباب أكبر ضحية لخدعة تنمية لم يروا منها ولوبصيص أمل، يمكن أن يعفيهم عناء الغربة والعيش بعيدا عن أسرهم، بحثا عن شغل يصون كرامتهم، كي لايبقون عالة عليها تنفق عليهم في صغرهم وحتى كبرهم. ووجد مسؤولو المنطقة أنفسهم عاجزين عن خلق فرص شغل لشباب المنطقة وتطوير فرص خلق مشاريع وبناء مصانع وشركات جديدة قد تخفض نسبة البطالة. ويضطر شباب المنطقة للهجرة نحو جنوب إسبانيا على متن قوارب مختلفة الأشكال والأنواع، معتبرين أنفسهم معذورين لأنهم يبحثون عن لقمة العيش، مستدركين في الوقت ذاته، أن هذه الهجرة ليست دوما آمنة، فقد يكون الشاب لقمة سائغة وسهلة إما بالضياع أوالموت وسط مياه البحر، لكن قد يضمن لنفسه مستقبلا على غرار آلاف الشباب الذين تمكنوا من تسوية وضعيتهم القانونية وهم الذين أبحروا من سواحل الريف، بطرق غير شرعية، لكن ذلك ربما أرحم له من البقاء في مدينة يتخبط فيها بين ” البريكولاج ” و” البطالة “، مايفقده الثقة في نفسه ومحيطه وحتى وطنه.
نزوح نحو جنوب إسبانيا
باتت الأوضاع التي يعيشها شباب مدينة الحسيمة، سببا رئيسيا في نزوح العديد منهم إلى مدن أخرى، بل المغامرة بأرواحهم بقوارب الموت ودراجات بحرية من نوع ” جيت سكي “، بحثا عن الشغل والكرامة. وأضحى الوصول إلى جنوب إسبانيا على متن القوارب المطاطية وقوارب الصيد التقليدي، حلم جميع الشباب، لما يقد يجدونهم من فرص الشغل بإسبانيا أوبلجيكا، شبه مفقودة بمدينتهم التي أضحت قبورا دافئة لأحلامهم. وأكد العديد من شباب مدينة الحسيمة، أنهم لايستطيعون توفير ولو جزء قليل من مصروفهم الشخصي، فبالأحرى مدخول يساعد به الشاب أسرته ويبني مستقبله، لذلك لايرون حلا مناسبا لوضعيتهم سوى المغامرة بأرواحهم برحيلهم عن المدينة على متن القوارب نحو الضفة الأخرى، رغم أنهم يدركون جيدا أن العودة إلى المغرب ليس بالأمر السهل، لأن ذلك يتطلب تسوية وضعيتهم القانونية في بلد الإقامة وهذا لايتم إلا بعد قضاء أزيد من عشر سنوات، بل هناك من أقام ببلجيكا وإسبانيا لأزيد من 15 عاما ومازالت وضعيته غير قانونية. ” ماذا عساني أفعل هنا، مللت الطواف بين الشوارع والجلوس في المقاهي، البطالة قتلت طموحاتي “، يحكي أحد الشباب ممن تخرجوا من أحد مراكز التكوين المهني بالحسيمة بمرارة قصة ضياعه، بعدما أجهض حلمه في إيجاد عمل ولو لم يكن قارا، ليخلص ” لقد حان وقت الرحيل عن الحسيمة ولوتطلب ذلك الموت “. كثيرون أمثال هذا الشاب، يعيشون على أمل الرحيل والهجرة إلى حيث صيانة كرامتهم ممكنة بشغل ولو بأجر زهيد حافظ لها، في الضفة الأخرى ولو غامروا بأرواحهم، لأنهم لن يكونوا الأوائل، فقد توفي حملة شهادات وشباب عاطل عن العمل من مغامرين بالارتماء في أحضان البحر الأبيض المتوسط، بحثا عن حياة أفضل.
عقول الشباب والأطفال مسكونة بأحلام الهجرة
يصعب التكهن بمستقبل الأطفال والشباب بالحسيمة، بسبب انغلاق الآفاق والتي لاتعوضها إلا أحلامهم المستمرة بالهجرة إلى الضفة الأخرى. وأصابت عدوى الهجرة الصغار والكبار على السواء، بالمنطقة، ولو تمكن الباحثون من إجراء استطلاع أوحتى إحصاء شامل للشباب والأطفال المتمدرسين أوغير المتمدرسين وكذا الحاملين لدبلومات مختلفة، الراغبين في معانقة الديار الأوربية، لكانت النتيجة بالتأكيد ارتفاع نسبة الذين ينزعون نحو الهجرة وبأرقام قياسية. حين يخرج الشاب إلى الشارع بمدينة الحسيمة خاصة في فصل الصيف من باب منزله، يصطدم بسيارات متنوعة بعلامات خارجية، وعلى متنها شباب، نوافذ آليته المتحركة مفتوحة، تخرج منها صيحات أغان راقصة، يتعمد إبطاء السير، هناك تتحدد علاقة بسيكولوجية معقدة بين المهاجر والشاب، هذا الأخير يحاول فك رموز هذه المعادلة بمقولة “سعداتو”. لقد صار مصطلح ” لحريك ” عبارة عادية وسط الشباب وبكل الأشكال بالحسيمة ونواحيها، أما تنفيذه فيبقى مرهونا بالزمن وبحالة البحر. اخترق حلم الهجرة فكر الشباب والأطفال بالحسيمة الذين يحاصرهم محيط كبير يوميا، حيث شقيق الشاب أوجاره أوأحد معارفه يوجد في حالة عطالة رغم كونه حاصل على دبلوم مهني أوشهادة جامعية منذ وقت طويل، مايمارس عليه لغة اليأس والإحباط التي يحملها ويزداد ثقلها يوما بعد يوم، خاصة حين معاينته أفواجا من خريجي معاهد التكوين المهني يتسكعون في الشوارع.
شبكات التهجير السري تتربص ب ” الحراكة “
فككت السلطات الأمنية من درك ملكي وعناصر الشرطة القضائية بالحسيمة والبحرية الملكية، العديد من الشبكات التي تنشط في تنظيم الهجرة غير المشروعة والاتجار بالبشر عبر المسالك البحرية بالحسيمة. وأوقفت السلطات الأمنية مئات الأشخاص المرتبطين بهذه الشبكات، وذلك في سياق الجهود المتواصلة التي تبذلها مصالح الأمن بتنسيق مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني لمكافحة جميع الأنشطة الإجرامية المرتبطة بالاتجار بالبشر في إطار شبكات تنظيم الهجرة غير المشروعة. وحجزت السلطات ذاتها لدى هذه الشبكات، أدوات للاتصال وأجهزة لتحديد المواقع البحرية، وحاويات للمحروقات ومضخات هوائية وزوارق مطاطية، يتم تسخيرها لأغراض إجرامية في إطار شبكات الهجرة غير المشروعة. ويظهر أفراد هذه الشبكات احترافية كبيرة وخطورة أفعالهم الإجرامية التي يرتكبونها، إذ يجنون اموالا طائلة من العمليات التي يقومون بها مقابل نقل ” الحراكة ” على متن قوارب نحو جنوب إسبانيا في رحلات غير مضمونة، حيث هشاشة بعض القوارب وثقل حمولتها، مايهدد الأخيرة بالانشطار إلى نصفين والغرق. ويستقطب افراد هذه الشبكات، الراغبين في الهجرة حتى من خارج مدينة الحسيمة، إذ يتم توظيف سماسرة يتم انتقاؤهم بعناية فائقة للبحث وجلب المرشحين الذين يسلمون لهم مبالغ مالية تتراوح بين مليونين وأربعة ملايين للفرد الواحد مقابل تهجيره. وتستغل مافيات التهجير السري، الرغبة الجامحة التي تتحكم في الحالمين في الهجرة وقدرهم البئيس نتيجة عيشهم داخل أوضاع هشة أمام ندرة وانعدام بنية تحتية اقتصادية قادرة على خلق بدائل وفضاءات لتحقيق ذواتهم داخل مدينتهم، مايتيح لها تحصيل ثروات مالية خيالية في أوقات زمنية قياسية. وشنت السلطات الأمنية أخيرا حملة واسعة ضد منظمي الهجرة غير الشرعية من سواحل إقليم الحسيمة، حيث تم إجهاض العديد من محاولات تهجير شباب نحو الضفة الأخرى وتأتي هذه الحملة غير المسبوقة بعد موجة استنكار واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعد إقدام بعض النساء رفقة أطفالهن على ركوب أمواج البحر، وهي سابقة من نوعها، لم يسجلها تاريخ الهجرة غير الشرعير بالمنطقة.
السطو على مراكب الصيد التقليدي بميناء الحسيمة
أصبح السطو على مراكب الصيد التقليدي المعروفة في قطاع الصيد البحري ب” بوليتيراث ” من داخل ميناء الحسيمة، من الوسائل الجديدة التي ابتكرها منظمو الهجرة السرية، لاستعمالها في عملياتهم. وشهد ميناء الحسيمة في عدة مناسبات توترا كبيرا بسبب الاختفاءات المتكرر لقوارب الصيد التقليدي المتخصصة في صيد سمك ” أبوسيف ” و” التون ” التي استعملت في الهجرة السرية. والخطير في الأمر أن المنظمين للأخيرة، أصبحوا يستعملون هذه القوارب الجاهزة بكل الوسائل، دون عناء تصنيع، و نقل القوارب و المطاردات الأمنية ، حيث أصبح المهنيون يتحسسون ممتلكاتهم، بعد اختفاء القوارب وتنامي ظاهرة سرقتها من قبل هؤلاء واستخدامها في تهريب البشر نحو جنوب إسبانيا. ويوهم المنظمون لهذا النوع من الهجرة غير النظامية، حراس الميناء بأنهم سيخرجون في رحلة صيد، حتى لايثيروا انتباه أحد، سواء تعلق الأمر بمواطنين أورجال الأمن، وبمجرد وصولهم إلى المياه الدولية يطلبون الإغاثة من الحرس المدني الإسباني الذي يعمل على إنقاذهم وحملهم نحو ميناء ” موتريل ” أو” مالقا” جنوب إسبانيا، وهنا تبدا معاناة من نوع آخر. واستعملت العديد من قوارب الصيد التقليدي في التهجير السري انطلاقا من ميناء الحسيمة، كان آخرها العملية التي مكنت صاحب قارب تقليدي كان اقتناه من تهجير أزيد من 40 شخصا، ضمنهم نساء وأطفال. وتسلم المنظم من المعنيين بالأمر مبالغ متفاوتة بلغت 4 ملايين سنتيم للفرد الواحد. وتمكنت السلطات الأمنية من إيقاف ثلاثة متهمين بالنصب وتنظيم الهجرة غير الشرعية عبر المسالك البحرية بالحسيمة باستعمال قارب للصيد التقليدي. وأمرت المحكمة بمصادرة مبالغ مالية تم حجزها لدى المعنيين بالأمر والقارب وثلاثة بالونات حمراء وصدريات برتقالية اللون وجيليين وهواتف محمولة وغطاء بلاستيكي لفائدة أملاك الدولة.
الحياة بعد العبور إلى الضفة الأخرى
حين ينجح المهاجرون غير الشرعيين في العبور نحو جنوب إسبانيا انطلاقا من سواحل الحسيمة على متن قوارب مطاطية، وبعد تدخل خفر السواحل الإسباني، يتم نقلهم إلى ميناء ” موتريل ” أو”مالقا ” أو” قاديس “، حيث يوضعون لمدة 72 ساعة داخل محلات خصصت لهذه الغاية، في انتظار قرار السلطات القضائية. يؤكد أحد الشباب الذي كان يدرس بأحد معاهد التكوين المهني بالحسيمة، وهاجر منذ سنتين إلى الضفة الأخرى، أن “معاملة عناصر الشرطة الوطنية الإسبانية والحرس المدني الإسباني لهم، بعد وصولهم إلى جنوب إسبانيا كانت جيدة”. ويضيف ” أنه بعد التحقيق مع كل واحد منا ورفع بصماته وتصويره، أطلق سراحنا، وتمت إحالتنا على مراكز إيواء تسيرها بعض الجمعيات لاحتضاننا، حيث كل الظروف مواتية للعيش.” وأكد الشاب ” أن مدة الإقامة داخل هذه المراكز تختلف من جمعية إلى أخرى حسب ظروفها وإمكانياتها، وقد تصل المدة إلى سنة كاملة، وبعد المغادرة تبدأ معاناة من نوع آخر، خاصة إذا كان المهاجر لايتقن اللغة الإسبانية، ولايتوفر على دبلوم معين، إما في الحلاقة أوإصلاح الكهرباء أوالنجارة أوإصلاح السيارات، مايجعل حصوله على عمل بشكل مؤقت يبدو صعبا.” ويتحدث الشاب عن أن ” الشارع يكون مصير البعض حيث يعيش حياة التشرد في الشوارع، ماقد يولد لديه الخوف “. لتلك المراكز التي تشرف عليها جمعيات مدنية يضيف الشاب، دور كبير، حيث يؤكد المتحدث أنه لا يمكن مكافأة القائمين على هذه المراكز، الذين يظلون إلى جانب المهاجرين ويعتنون بهم، إلى حين مغادرتهم المركز، إنهم يقومون بعمل إنساني نبيل وكبير حسبه. ويظل المهاجر بعد مغادرته تلك المراكز معرضا للطرد من إسبانيا في أي لحظة كما حدث للعديد من الشباب، بسبب المراقبة الأمنية. ويلجأ هؤلاء إلى العمل بشكل غير قانوني في قطاع الفلاحة والبناء وداخل سراديب خوفا من ملاحقتهم من قبل الحرس المدني أوالشرطة الوطنية الإسبانية. ويكون المهاجر محاصرا بمجموعة من الإكراهات منها البحث عن السكن والعمل، في الوقت الذي يضطر فيه البعض إلى الرحيل نحو بلجيكا، أما المحظوظ فهو من يتوفر على عائلة بإسبانيا حيث يقيم معها وتساعده على الحصول على عمل قد يوفر له مصاريفه اليومية.
التبريس. متابعة





























